ثم إن قصة القبطي المتقاتل مع الإسرائيلي نزلت وذكرها في موضعها مستوعب ، فخرج موسى عليه السلام من مصر حتى وصل إلى مدين ، فكان من أمره مع شعيب ما هو في موضعه مستوعب يختص منه بهذا الموضع أنه تزوج ابنته الصغرى على رعية الغنم عشر سنين ، ثم إنه اعتزم الرحيل بزوجته إلى بلاد مصر فجاء في طريقه فضل في ليلة مظلمة فرأى النار حسبما تقدم ذكره ، فعدد الله تعالى على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القصة من لطف الله تعالى به في كل فصل وتخليصه له من قصة إلى أخرى ، وهذه الفتون التي فتنه بها أي اختبره وخلصه حتى صلح للنبوءة وسلم لها. وقوله {ما يوحى} إبهام يتضمن عظم الأمر وجلالته في النعم وهذا نحو قوله تعالى {إذ يغشى السدرة ما يغشى} [النجم: 16] وهو كثير في القرآن والكلام ، و {أن} في قوله {أن اقذفيه} بدل من {ما} والضمير الأول في {اقذفيه} عائد على موسى وفي الثاني على {التابوت} ، ويجوز أن يعود على {موسى} . وقوله {فليلقه اليم} خبر خرج في صيغة الأمر إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها ، ومنه قول النبي عليه السلام"قوموا فلأصل لكم"فأخبر الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة وهذا كثير ، ومن حيث خرج الفعل مخرج الأمر حسن جوابه كذلك ، و"العدو"الذي هو لله ولموسى كان فرعون ولكن أم موسى أخبرت به على الإبهام وذلك قالت لأخته قصيه وهي لا تدري أين. ثم أخبر تعالى موسى أنه"ألقى عليه محبة"منه فقال بعض الناس أراد محبة آسية لأنها كانت من الله وكانت سبب حياته. وقالت فرقة: أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده ، وكان حظ موسى منه في غاية الوفر. وقالت فرقة: أعطاء جمالاً يحبه به كل من رآه ، وقالت فرقة: أعطاء ملاحة العينين ، وهذان قولان فيهما ضعف وأقوى الأقوال أنه القبول. وقرأ الجمهور و"لِتُصنع"بكسر اللام وضم التاء على معنى ولتغذى وتطعم وتربى ، وقرأ أبو نهيك"ولَتصنع"بفتح التاء ، قال