الكرم اقتضى إظهارها لأخص عبيدي {لتجزى كل نفس بما تسعى} في العبودية من الروح والسر والقلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي للرجوع إليّ أمكن إضافة {ونفخت فيه من روحي} [ص: 72] فجزاؤه من تجلي صفات الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي السعي بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه. وسعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال، فجزاؤه بدوام التجلي وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق. وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية، فجزاؤه بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانها إلى ذكر ربها لتصير قابلة لجذبه {ارجعي إلى ربك} [الفجر: 28] وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين فلا يصدنك عن هذه السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمن بها.
ويحتمل أن يقال: أكاد أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار. قالوا: أخطأ موسى في قوله {هي عصاي} وكان عليه أن يقول"أنت أعلم بحالها مني"وفي قوله {أتوكأ عليها} وكان عليه أن يتكئ على لطف الله وكرمه فلهذا قيل له {ألقها يا موسى} وفي قوله {وأهش بها على غنمي} إذ نسي أن العصا لا تكون واسطة لرزق أغنامه وإنما الرزاق هو الله. {خذها ولا تخف} فإن الضار والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به {واضمم} يد همتك إلى جناح قنوعك {تخرج بيضاء} نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق مذكور في التفسير. وفي قوله {قد أوتيت} بلفظ الماضي إشارة إلى أنه أعطي ذلك بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 4 صـ 539 - 541}