والذي يتبادر لنا من نصها وروحها أنها نزلت بسبيل تخفيف ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم من جهد وتعب في دعوة الناس وهدايتهم، وما يجده من غمّ وحزن وما يلقاه من عناد ومكابرة وسخرية وتعطيل، فلا ينبغي له أن يحزن ويغتم ويضني نفسه. وليس عليه إلّا التذكير. ويكفي أن ينتفع بالتذكير والدعوة أصحاب الرغبات الصادقة والنيات الحسنة.
ويلحظ أن هذا المعنى قد اختتمت به السورة السابقة بعد سلسلة من صور مواقف الكفار وأقوالهم. وبدء هذه السورة به قد يدل على صحة ترتيب نزولها بعد تلك السورة كما قد يدل على أن تلك الصور كانت تثير في نفس النبي صلى الله عليه وسلم أزمات حزن وغمّ وحسرة اقتضت حكمة التنزيل موالاة تسليته وتطمينه فيها. ومما يلحظ أن هذا المعنى قد تكرر في سورة فاطر التي سبقت سورة مريم في النزول. وهذا يعني أن أزمات حزن النبي صلى الله عليه وسلم وحسرته ظلت تتوالى بسبب توالي مواقف الكفار وأقوالهم المثيرة وتصاممهم عن الدعوة إلى الله وحده.
وهذه الأزمات التي كانت تتوالى على النبي صلى الله عليه وسلم هي من دون ريب نتيجة لإشفاقه على قومه والرأفة بهم والرغبة الشديدة في هدايتهم والاستغراق التام في الواجب العظيم الذي انتدب إليه، والتفاني فيه وتوطين النفس على كل مكروه في سبيله من أجل خير الناس ونجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وفي هذا مظهر
من مظاهر الأخلاق الكريمة العظيمة التي تهيأ بها محمد صلى الله عليه وسلم للاصطفاء الرباني، كما فيه القدوة الحسنة التي يجب أن يتخذها المسلمون وبخاصة زعماؤهم وأصحاب الدعوات الإصلاحية فيهم.
ولقد علقنا في سياق تفسير سورة الأعراف على تعبير اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فلا ضرورة للإعادة. وإنما ننبه إلى أن روح الآيات التي جاء فيها هنا تدل دلالة قوية على صواب ما انتهينا إليه إن شاء الله في تعليقاتنا السابقة وهو أن القصد منه تقرير شمول ملك الله لجميع الأكوان وإحاطته بها.
[سورة طه (20) : الآيات 9 إلى 23]