ثم لما قرّر سبحانه أمر الحشر وأجاب عن شبهة منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين حينئذٍ ، فقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً} الظرف منصوب بفعل مقدّر ، أي اذكر يا محمد يوم الحشر.
وقيل: منصوب بالفعل الذي بعده ، ومعنى حشرهم إلى الرحمن: حشرهم إلى جنته ودار كرامته ، كقوله: {إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى} [الصافات: 99] والوفد جمع وافد ، كالركب جمع راكب ، وصحب جمع صاحب ، يقال: وفد يفد وفداً إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير كذا قال الجوهري.
{وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً} السوق: الحثّ على السير ، والورد: العطاش قاله الأخفش وغيره.
وقال الفراء وابن الأعرابي: هم المشاة ، وقال الأزهري: هم المشاة العطاش ، كالإبل ترد الماء.
وقيل: {وردا} أي: للورد ، كقولك: جئتك إكراماً ، أي للإكرام ، وقيل: أفراداً.
قيل: ولا تناقض بين هذه الأقوال فهم يساقون مشاة عطاشاً أفراداً ، وأصل الورد: الجماعة التي ترد الماء من طير أو إبل أو قوم أو غير ذلك.
والورد الماء الذي يورد.
وجملة: {لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة} مستأنفة لبيان بعض ما يكون في ذلك اليوم من الأمور ، والضمير في {يملكون} راجع إلى الفريقين.
وقيل: للمتقين خاصة.
وقيل: للمجرمين خاصة ، والأوّل أولى.
ومعنى {لا يملكون الشفاعة} : أنهم لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.
وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفع لهم ، والأوّل أولى {إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً} هذا الاستثناء متصل على الوجه الأوّل أي لا يملك الفريقان المذكوران الشفاعة إلا من استعدّ لذلك بما يصير به من جملة الشافعين لغيرهم بأن يكون مؤمناً متقياً ، فهذا معنى اتخاذ العهد عند الله.
وقيل: معنى اتخاذ العهد أن الله أمره بذلك كقولهم: عهد الأمير إلى فلان إذا أمره به.
وقيل: معنى اتخاذ العهد: شهادة أن لا إله إلا الله.
وقيل: غير ذلك.