{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين} ذكر الزجاج في معنى هذا وجهين: أحدهما: أن معناه: خلينا بين الكافرين وبين الشياطين فلم نعصمهم منهم ولم نعذهم ، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان} [الإسراء: 65] .
الوجه الثاني: أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم قال: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً} [الزخرف: 36] فمعنى الإرسال ها هنا: التسليط ومن ذلك قوله سبحانه لإبليس {واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] ويؤيد الوجه الثاني تمام الآية ، وهو {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} فإن الأزّ والهزّ والاستفزاز معناها: التحريك والتهييج والإزعاج ، فأخبر الله سبحانه أن الشياطين تحرّك الكافرين وتهيجهم وتغويهم ، وذلك هو التسليط لها عليهم ، وقيل: معنى الأزّ: الاستعجال ، وهو مقارب لما ذكرنا لأن الاستعجال تحريك وتهييج واستفزاز وإزعاج ، وسياق هذه الآية لتعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حالهم ، وللتنبيه له على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم ، وجملة: {تؤزهم أزّاً} في محل نصب على الحال ، أو مستأنفة على تقدير سؤال يدل عليه المقام ، كأنه قيل: ماذا تفعل الشياطين بهم؟
{فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} بأن تطلب من الله إهلاكهم بسبب تصميمهم على الكفر ، وعنادهم للحق ، وتمرّدهم عن داعي الله سبحانه.
ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} يعني نعدّ الأيام والليالي والشهور والسنين من أعمارهم إلى انتهاء آجالهم.
وقيل: نعدّ أنفاسهم.
وقيل خطواتهم.
وقيل: لحظاتهم.
وقيل: الساعات.
وقال قطرب: نعدّ أعمالهم.
وقيل: المعنى: لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثماً.