فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)
لما أقام الله جل وعلا البرهان على البعث بقوله: {أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} [مريم: 67] أسم جل وعلا بنفسه الكريمة ، أنه يحشرهم أي الكافرين المنكرين للبعث وغيرهم من الناس ، ويحشرهم معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا ، وانه يحضرهم حول جهنم جثياً. وهذان الأمران اللذان ذكرهما في هذه الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع. أما حشره لهم ولشياطينهم فقد أشار إليه في قوله: {احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم} [الصافات: 22 - 23] على أحد التفسيرات. وقوله: {حتى إِذَا جَآءَنَا قَالَ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين فَبِئْسَ القرين} [الزخرف: 38] .
وأما إحضارهم حول جهنم جثياً فقد أشار له في قوله: {وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كِتَابِهَا اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28] ، قوله في هذه الآية الكريمة {جِثياً} كمع جاث. والجاثي اسم فاعل جثا يجثوا جثواً. وحثى يجثي جثياً: إذا جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه. والعادة عند العرب: أنهم إذا كانوا في موقف ضَنكٍ وأمر شديد ، جثواْ على ركّبِهم ، ومنه قول بعضهم:
فمن للحماةِ ومن للكماةِ... إذا ما الكماةُ جثواْ للرُّكَبْ
إذا قيل مات أبو مالكٍ... فتى المكرمات قريع العربْ
وكون معنى قوله {جِثياً} في هذه الآية ، وقوله {وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} الآية - أنه جثيهم على ركبهم هو الظاهر ، وهو قول الأكثر ، وهو الإطلاق المشهور في اللغة ؛ ومنه قول الكميت:
هم تركوا سراتهم جثياً... وهم دون السراة مقرنينا