لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بما يسئُ إليه ردعا له، بل أَجابه بما عوّده إِياه من احتمال له، وتلطف به، ومقابلة للسيِّئة بالحسنة، فقال له: {سَلَامٌ عَلَيْكَ} أَي أَمان واطم
فلا أُجيبك بمكروه، ولا أشافهك بما يؤذيك. فهو سلام توديع ومفارقة أَو تقريب وملاطفة، ولذا وعد أَباه في الآية بالاستغفار. ومن قال إن سلامه على أَبيه كان تحية مفارق، فهذا على رأى من يجوز تحية الكافر بدءا أو إجَابَةً. قيل لابن عيينة هل يجوز السلام على الكافر؟ قال نعم، قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ} الآية. {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} بمعنى أَني سأطلب منه متضرعا إليه أَن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة، ويهديك إِلى الصراط المستقيم فيكون استغفاره له مرادا منه طلب الهداية له، والاستغفار للكافر بهذا المعنى جائز قبل موته علي الكفر أو تحقق أَنّه لن يؤمن وكان هذا الاستغفار لأبية على هذا النحو ناشئا عن موعدة وعدها آزر إبراهيم عليه السلام بأن يؤمن بما جاءه به فلما تبين لإِبراهيم أن أباه عدوّ لله تبرأ منه كما قال تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} . وقد استغفر له مدة طويلة قبل انقطاع رجائه في إيمانه، كما تشير إِلى ذلك هذه الآية وغيرها من الآيات التي تشتمل على قصته كقوله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} .
{إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} : أي بليغا في البر بي والإكرام لي، فلهذا أرجو أن يجيبنى إِذا دعوته ..
48 - {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ... } الآية.