نزلت في بني قريظة والنّضير. يقول: أخذ اللّه عليكم في الكتاب: ألا تسفكوا دماءكم ، أي لا تقتتلوا ، فيقتل بعضكم بعضا ، ولا تتركوا أسيرا في أيدي الآسرين فيقتلوه ، ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم ، أي لا تغلبوا أحدا على داره وتخرجوه ، فقبلتم ذلك وأقررتم به ، وهو أخذ الميثاق وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بذلك ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ أي تقتتلون فيقتل بعضكم بعضا ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ أي تتعاونون وَإِنْ يَأْتُوكُمْ بهم أُسارى تُفادُوهُمْ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ من ديارهم أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ في فك الأسير وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ في إخراجكم من أخرجتم من ديارهم فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فجوزي بنو النّضير بأن أخرجهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، عن
ديارهم لأوّل الحشر.
وجوزي بنو قريظة بقتل المقاتلة وسبي الذّرّيّة.
في الزخرف
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81) [الزخرف: 81] .
لما قال المشركون: للّه ولد ، ولم يرجعوا عن مقالتهم بما أنزله اللّه على رسوله ، عليه السلام ، من التبرّؤ من ذلك - قال اللّه سبحانه لرسوله عليه السّلام: قُلْ: لهم إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ أي: عندكم في ادعائكم. فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أي: أول الموحدين ، ومن وحّد اللّه فقد عبده ، ومن جعل له ولدا أو ندّا ، فليس من العابدين ، وإن اجتهد.
ومنه قوله: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [النازعات: 56] ، أي إلا ليوحّدون.
قال مجاهد"1": يريد إن كان للّه ولد في قولكم ، فأنا أول من عبد اللّه ووحّده ، وكذّبكم بما تقولون.
وبعض المفسرين يجعل إن بمعنى (ما) ، وليس يعجبني ذلك.
ويقال: العابدون هاهنا: الغضاب الآنفون. يقال: عبدت من كذا أعبد عبدا. وأكثر ما تأتي الأسماء من فعل يفعل (على فعل) كقوله: وجل يوجل فهو وجل ، وفزع يفزع فهو فزع.
وربما جاء على (فاعل) نحو علم يعلم فهو عالم.
وربما جاء منه على (فعل) و (فاعل) نحو صدى يصدي فهو صد وصاد ، كذلك تقول: عبد يعبد فهو عبد وعابد ، قال الشاعر"2":
وأعبد أن تهجى تميم بدارم
(1) مجاهد: هو مجاهد بن جبير المخزومي ، أبو الحجاج المقري المكي ، مولى عبد اللّه بن السائب ، وقيل: مولى السائب بن أبي السائب ، فقيه محدث تابعي ثقة ، توفي بمكة سنة 102 ه. وقيل: سنة 103 ه. وقيل: سنة 104 ه. صنف"تفسير القرآن". (أسماء التابعين 1/ 363 ، كشف الظنون 6/ 4) .
(2) صدر البيت: أولئك قومي إن هجوني هجوتهم والبيت من الطويل ، وهو للفرزدق في إصلاح المنطق ص 50 ، ولسان العرب (عبد) ، والمحتسب 2/ 258 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في الإنصاف 2/ 637 ، وجمهرة اللغة ص 299 ، ويروى عجز البيت بلفظ: وأعبد أن تهجى كليب بدارم وهو بهذا اللفظ للفرزدق في تاج العروس (عبد) ، (عني) ، وإصلاح المنطق ص 50 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 299 ، وديوان الأدب 2/ 230 ، ومقاييس اللغة 4/ 207.