وهم بحيلتهم واطلاعهم على ميادين النفوس ومؤثراتها التزموا أن يصوغوا كلامهم الذي يخبرون به في صيغة خاصة ملتزماً فيها فقرات قصيرة مختتمة بأسجاع ، لأن الناس يحسبون مزاوجة الفقرة لأختها دليلاً على مصادفتها الحق والواقع ، وأنها أمارة صدق.
وكانوا في الغالب يلوذون بالعزلة ، ويكثرون النظر في النجوم ليلاً لتتفرغ أذهانهم.
فهذا حال الكهان وهو قائم على أسس الدجل والحيلة والشعوذة مع الاستعانة باستعداد خاص في النفس وقوة تخترق الحواجز المألوفة.
وهذا يفسره ما في كتاب الأدب من"صحيح البخاري"عن عائشة: أن ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال:"ليسوا بشيء (أي لا وجود لما يزعمونه) ."
فقيل: يا رسول الله فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حَقاً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنيّ فَيقرُّها في أذن وليّه قَرّ الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة"."
وما في تفسير سورة الحجر من"صحيح البخاري"من حديث سفيان عن أبي هُريرة قال نبي الله صلى الله عليه وسلم"إذا قضى الله الأمر في السماء (أي أمر أو أوحى) وضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله"فإنهم المأمورون كل في وظيفته"كالسلسلة على صَفوانٍ ينفُذُهم ذلك(أي يحصل العلم لهم."
وتقريبها حركات آلة تلقي الرسائل البرقية تلغراف) ...
فيسمعها مسترقو السمع ، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر (أي هي طبقات مفاوتة في العلو) .
ووصف سفيان بيده فحرّفها وفَرّج بين أصابع يده اليمنى نَصَبها بعضَها فوق بعض (فيسمع المسترق الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخَر إلى من تحته حتّى يلقيها على لسان الكاهن أو الساحر) ، فربّما أدرك الشّهاب المستمع قبل أن يلقيها ، وربّما ألقاها قبل أن يدركها فيكذب معها مائة كَذبة.
فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقاً للكلمة التي سُمعت من السماء"."