أَرسَل اللهُ أرحَمُ الراحمين رسُلَه وصفْوَتَه من خلْقِه - عليهم الصَّلاة والسَّلام - يَردُّون للإنسان كرامتَه، ويُعِيدون إليه رُوحَه وعقله، ويستنقذونه من مَخالب أولئك الدَّجاجلة الْمُجرمين، فصرخ شيخُهم إبليس فيهم: أَدْرِكوا دُنْياكم، ورياستَكم ومَشْيختكم، فكلُّ ذلك سيتلاشى ويَذْهب؛ بِدَعْوة أولئك الرُّسل إذا استجاب النَّاس لَهُم، فلا يَبْقى لكم أحدٌ منهم يُقَبِّل اليَد، ويقف أمامكم خاشعًا راكعًا، ولا يبقى لكم منهم أحدٌ يعرف الثِّقة والطَّاعة العمياء، ولا يبقى لكُم منهم أحد يَبْذل النَّفْس والمال في مَرْضاتكم بدون أن يَسْألكم: كيف؟ ولماذا؟ ولا يبقى لكم منهم أحد يكون آلة مُسَخَّرة في أيديكم ينفِّذ أهواءكم الشريرة، وأغراضكم الْمُجْرمة بهذه الثِّقة والطاعة العمياء، ولن يبقى منهم أحدٌ يراكُم - بعد اليوم - إلاَّ بِعَيْن الحقِّ، فيَزِنكُم بعِلْمِكم وأعمالكم وأخلاقكم، كما يَرى ويَزِن كلَّ إنسان، يُعْطي المُحْسِن حقَّه وإن كان أفْقَرَ النَّاس وأبْعَد الناس عنه، ويُحِبُّ السَّائر في كُلِّ شأنه على بصيرة وهُدًى من ربِّه، ولو كان في أسمال بالية، ومُحْترِفًا لِدُنياه كنْسَ الشوارع وأصغر الصِّناعات، ويعطي المُسِيءَ حقَّه من الاِزْدراء والمَقْت والقطيعة، وإن كان في أوفر الثِّياب، وأرفع القُصور، وأعلى مَنازل الزُّور في دنيا الباطل والكذب، ويعطي الضالَّ الآخِذَ سبيل الغيِّ حقَّه من النَّصيحة والنَّهْي والإنذار، فإن لم يَعُد عن ضلاله ولم يَرْجع إلى سبيل الرُّشد، قطَعَ ما بينه وبينه واتَّخَذه عدُوًّا، وإن كان أباه أو أخاه أو زَوْجَه، نادى شيخُهم إبليس: أدْرِكوا أنفسكم ومكانتَكم، وأَجْمِعوا أمْرَكم على حرب هؤلاء المُرْسَلين؛ بالاستهزاء بِهم، وتحقير شأنِهم، وتنفير العامَّة عنهم، وتَخْويفهم بكلِّ ما تَقْدرون من الاستماع إليهم، وأنا معَكم سَأُوحي إليكم بِزُخْرُف القَوْل تُغْرون به الدَّهْماء والطَّغَام"مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" [يس: 30] ، لا يُقابلون دعوتَه ورسالته، وما أَوْحى الله إليه إلا بالسُّخرية والتَّهوين من شأنه، وأنَّه لا شيء فيه مِمَّا