وإنَّك يا أخا الصِّدق والإيمان بالله وآياته وسُنَّته، وحكمته ونِعمتِه، مهما حاولَ أعداءُ اللهِ ورسولِه، وأعداءُ أنفسِهم وأعداءُ الإنسانية أن يضَعُوا على معانِي القرآن من أَغْلاق، ويسدُّوا دونه مِن أبواب، ويُقِيموا في سبيل فَهْمِه مِن عقبات - واجدٌ بِحَمْد الله حِسًّا يَعْلم الله صدْقَ إخلاصك، وشدَّةَ حاجتك وعظيم فَقْرِك إلى هُدَى القرآن وشِفائه؛ لِمَا أحسَسْت به وعرَفْتَه بعد يقظَتِك من غفلة الغُرور، وبعد خروجك من سِجْن التَّقليد وأغلاله القذرة، ووصولك شاطِئَ السَّلامة من أوهام العامَّة والدَّهْماء، والجمهور والكثرة - إنَّك بعد هذا بِفَضل الله ورَحْمته الواسعة واجدٌ أنْ قد فُتِحَت في قلبك أبوابُ الْهُدى والفقه لِمَقاصِد القرآن، والعلم بِمُراد الله في الأسماء والصِّفات والتوحيد والعقيدة والعبادة، والشَّرائع والأحكام، وذهب قلْبُك يسعى حثيثًا في سبيل الإيمان الصَّادق والعمل الصالح، وذهَبْت تَعْدو قدُمًا في سبيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بصيرة من رَبِّك، وهُدًى في كلِّ شأنك، لا تخاف درَكًا ولا تَخْشى، قد أخرجك رَبُّك بِنُور فَهْم القرآن من ظُلمات الشِّرك والوثنيَّة الصُّوفية إلى عقيدة التَّوحيد الصَّافية النقيَّة، وأخرَجَك بِحِكْمة القرآن ورُشْده من الرُّعونة والسَّفَه والطَّيْش، وأخرَجَك بِحُبِّ القرآن مِن باطل الآراء والمذاهب والشِّيَع والأحزاب؛ وأخرَجَك بِعَدْل القرآن مِن ظُلْمِ نَفْسِك وظُلْمِ الطُّغاة المتمرِّدين السَّاعين في الأرض بالفساد، وأخرجك بِصَفاء عِلْمِ القرآن ونقائه من قذارة ورِجْسِ الشُّيوخ والسَّادة والآباء، وأخرجك بعِزِّ القرآن من ذُلِّ استعباد الأعداء والمُجْرِمين، وأخرَجَك من فَقْر النُّفوس البهيميَّة الحقيرة الذَّليلة بِهَواها وشَهْوتِها، ومِن اتِّخاذهم آلهةً وأربابًا، إلى الغِنَى بالله والقناعَةِ، والرِّضا عن الله وعن تدبير الله وسُنَن الله، فذهَبْتَ تَضْرِب في الأرض التي ذلَّلَها لك وسخَّرَها لِتُقرَّها وتستخرج منها ما تقيم به سنَّة العليم الحكيم، البَرِّ الرحيم.