ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"رُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَى من سامع".
ولذلك أقول دائماً: إياك أن تخلط بين المعلومة التي تُقال لك: وبين سلوك مَنْ قالها لك ، ولنسمع الشاعر الذي قال:
خُذْ عِلْمي ولاَ تركَنْ إلى عَملِي ... وَأجْنِ الثمارَ وخَلِّ العُودَ للحطَبِ
وهكذا يتحمل المسلم مسئولية الإبلاغِ بما يعرف من أحكام الدين لمن لا عِلْمَ لهم بها ؛ لتظل الرسالة موصولة ، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ...} [آل عمران: 110] .
أي: أنكم يا أمة محمد ، قد أخذتم مهمة الأنبياء .
ولأن البلاغ قد جاء من الله على الرسول صلى الله عليه وسلم ، والرسول أمين في تبليغه ؛ لذلك لا يمكن أنْ يصدرَ عن الواحد الحكيم أوامر متضاربة ، ولكن التضارب إنما ينشأ من اختلاف الآخر ؛ أو من عدم حكمة الآمر ، ولْنُدقِّق جيداً في قول الحق سبحانه:
{وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ...} [إبراهيم: 52] .
فكلمة"واحد"جاءت لتمنع مجرّد تصوُّر الشراكة ؛ فلا أحدَ مثله ، وهو أحدٌ غير مُركَّب من أجزاء ؛ فليس له أجهزة تشبه أجهزة البشر مثلاً ؛ فلو كان له أجهزة لَكانَ في ذاته يحتاجُ لأبعاضه ، وهذا لا يصِحُّ ولا يمكن تخيُّله مع الله سبحانه وتعالى .
وتلك هي القضية الأساسية التي يعيها أولو الألباب الذين يستقبلون هذا البلاغ . وأولو الألباب هي جمع ، ومفرد"ألباب"هو"لُبّ"، ولُبّ الشيء هو حقيقة جوهره ؛ لأن القشرةَ توجد لتحفظَ هذا اللُّب ، والمحفوظ دائماً هو أنفَسُ من الشيء الذي يُغلّفه لِيحفظه .
وهكذا يكون أولو الألباب هم البشر الذين يستقبلون القضية الإيمانية بعقولهم ؛ ويُحرِّكون عقولهم ليتذكروها دائماً ؛ ذلك أن مشاغل الحياة ومُتعتها وشهواتها قد تَصْرِف الإنسان عن المنهج ؛ ولذلك قال الحق سبحانه هنا: