ويقول الحق سبحانه مؤكداً أن قدرته على المجيء بخلق جديد ليست مسألة مستحيلة:
{وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) }
والشيء العزيز هو الشيء المُمْتِنع . والله سبحانه لا يُغْلَب . وقد بيَّن لنا في جزئيات الحياة أنه يذهب بنبات ويأتي بنبات آخر ، ويذهب بحيوان ويأتي بحيوان آخر ؛ وكذلك يذهب بالجماعة من البشر ويأتي بغيرهم .
ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً ...} .
والبروز أن يظهر شيء كان خفياً . ويُال"رجل بارز"أي: مرموق وقَيْد الأبصار ، ولا تُفتَح الدنيا إلا عليه ، ويُقال"امرأة بارزة"أي: امرأة تختلط بالرجال وغير مُستترة .
ويقول سبحانه: {وَتَرَى الأرض بَارِزَةً . .} [الكهف: 47] .
أي: سيرى كُلٌّ منا كُلّ الأرض في اليوم الآخر وهي مكتملة ؛ لا جزء منها فقط كما يحدث في حياتنا الدنيوية ؛ ذلك أن الحق سبحانه قد قال لنا: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ} [ق: 22] .
ويُقال أيضاً"فرس بارز"وهو ما يطلق على الحصان الذي يفوز عند التسابق مع غيره ؛ ولا يستطيع فرس آخر أنْ يسبقه ؛ لذلك فهو فرس تراه العين أثناء السباق بوضوح .
ونعلم أن الخيْلَ في لحظات السباق تثير أثناء تسابقها غباراً - أي: تراباً يُضبِّب المرئيات - فلا يرى أحد تفاصيل الموقع الذي تجري فيه الخيول ؛ أما إذا ظهر فرس يسبق الجميع فلا خيول أخرى قريبة منه تثير غباراً يمنع رؤيته بارزاً واضحاً .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً . .} [إبراهيم: 21] .
ولقائل أن يسأل: وهل كانت هناك أشياء خافية عنه سبحانه ثم برزت؟
ونقول: إنه سبحانه مُنزَّه أن تَخْفي عنه خافية في الأرض أو السماء أو الكون كله ، ولكن المقصود هنا أنهم يبرزون عند أنفسهم ، ويرون وجودهم واضحاً أمام الحق سبحانه .