ونعلم أنه قد حدثتْ لهم بعضٌ من الظواهر التي تؤكد قُرْب انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فَقُتل صناديدهم وبعض من سادتهم في بدر ؛ وأُسِر كبراؤهم ، وهكذا شاء سبحانه أنْ يأتيَ بالوعد أو الوعيد ؛ جاء بالأمر الذي يدخل فيه كُلُّ السامعين ، وهو عذابُ الآخرة ؛ إنْ ظَلُّوا على الشرك ومقاومة الرسالة .
و: {تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار} [إبراهيم: 42] .
يعني: تفتح بصورة لا يتقلَّب بها يَمْنة أو يَسْرة من هَوْل ما يرى ؛ وقد يكون عدم تقلُّب البصر من فَرْط جمال ما يرى ، والذي يُفرِّق بينهما سِيَال خاص بخَلْق الله فقط ؛ وهو سبحانه الذي يخلقه .
فحين ترى إنساناً مذعوراً من فَرْط الخوف ؛ فسِحْنته تتشكَّل بشكل هذا الخوف ، أما مَنْ نظر إلى شيء جميل وشَخصتْ عيناه له ، يصبح لملامحه انسجامُ ارتواء النظر إلى الجمال ؛ ولذلك يقول الشاعر:
جَمَالُ الذي أهْواهُ قَيْد نَاظِريّ ... فَلْيتَ لِشَيءٍ غيرِهِ يتحوَّلِ
ويمكننا أن نفرق بين الخائف وبين المستمتع بملامح الوجه المنبسطة أو المذعورة .
ونعلم أن البصر ابن للمرائي ؛ فساعة تتعدّد المرائي ؛ فالبصر يتنقّل بينها ؛ ولذلك فالشخص المُبصر مُشتَّت المرائي دائماً ؛ ويتنقل ذِهْنه من هنا إلى هناك .
أما مَنْ أنعم الله عليهم بنعمة حَجْز أبصارهم - المكفوفين - فلا تشغله المرائي ؛ ولذلك نجدهم أحرصَ الناس على العِلْم ؛ فأذهانهم غير مشغولة بأيِّ شيء آخر ، وبُؤْرة شعور كل منهم تستقبل عن طريق الأذن ما يثبت فيها .
ولذلك يقال عنهم"صناديق العلم"إنْ أرادوا أنْ يعلموا ؛ فلا أحدَ من الذين يتعلمون منهم يكون فارغاً أبداً ؛ مثَلة مِثل الصندوق الذي لا يفرغ .
ولا أحد يتحكم في العاطفة الناشئة عن الغرائز إلا الله ؛ فأنت لا تقول لنفسك"أغضب"أو"أضحك"؛ لأنه هو سبحانه الذي يملك ذلك ، وهو القائل: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى} [النجم: 43] .