والضحك والبكاء مسائل قَسْرية لا دخلَ لأحد بها .
ونجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر من القرآن: {وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار ...} [الأحزاب: 10] .
فمرّة تشخص الأبصار ، ويستولي الرعب على أصحابها فلا يتحولون عن المشهد المُرْعِب ، ومرَّة تزوغ الأبصار لعله يبحث لنفسه عن مَنْفذ أو مَهْربٍ فلا يجد .
ويكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء الذين تزوغ أبصارهم ، فيقول: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ...} .
والمُهْطع هو مَنْ يظهر من فَرْط تسرُّعه وكأن رقبته قد طالتْ ، لأن المُهْطع هو مَنْ فيه طُول ، وكأن الجزاء بالعذاب يجذب المَجْزيّ ليقربه ، فَيُدفَع في شدة وجفوة إلى العذاب ، يقول الحق سبحانه: {يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور: 13] .
وكأن هناك مَنْ يدفعهم دَفْعاً إلى مصيرهم المُؤْلم . وهم:
{مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ...} [إبراهيم: 43] .
أي: رافعين رءوسهم من فَرْط الدهشة لِهوْل العذاب الذي ينتظرهم .
وفي موقع آخر يُصوِّرهم الحق سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذقان فَهُم مُّقْمَحُونَ} [يس: 8] .
وهكذا تكون صورتهم مُفْزعة من فَرْط المهانة ؛ فبصَرُ الواحد منهم شَاخِص إلى العذاب مُنجذب إليه بسرعة لا يتحكَّم فيها ؛ ورأسه مرفوعة من فَرْط الهَوْل ؛ ومُقْمَح بالأغلال .
ولا يستطيع الواحد منهم أن تجفل جفونه ، وكأنها مفتوحةٌ رَغْماً عنه ؛ وفؤاده هواء بمعنى: أنْ لا شيء َ قادرٌ على أن يدخله .
ونحن نلحظُ ذلك حين نضع زجاجة فارغة في قلب الماء ؛ فتخرج فقاقيع الهواء مقابلَ دخولِ الماء من فُوهتها .
ونعلم أن قَلْب المؤمن يكون ممتلئاً بالإيمان ؛ أما الكافر المُلْحد فهو في مثل تلك اللحظة يستعرض تاريخه مع الله ومع الدين ؛ فلا يجد فيها شيئاً يُطمئِن ، وهكذا يكتشف أن فؤاده خَالٍ فارغ ؛ لا يطمئن به إلى ما يُواجه به لحظة الحساب .