وفوق ظُلْم النفس وظُلْم المجتمع هناك ظُلْم يمارسه هذا النوع من البشر ضد الكون كُلِّه فيما دون الإنسان ؛ من جماد وحيوان ونبات ؛ ذلك أن الإنسانَ حين لا يكون على منهج خالقه ؛ والكون كله مُسخَّر لمنهج الخالق ؛ فلن يرعى الإنسانُ ذلك في تعامله مع الكون ، وسبحانه القائل: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ...} [الإسراء: 44] .
حين يُسبِّح كل ما في الكون يشذّ عن ذلك إنسانٌ لا يتبع منهج الله ؛ فالكون كله يكرهه ، وبذلك يظلم الإنسان نفسه ويظلم الكون أيضاً .
وهكذا عرفنا ظُلْم القمة في إنكار الألوهية ؛ أو الشرك به سبحانه ، أو توهُّم أنه من أجزاء ، وظُلْم نزع الكمال عن الرسول ؛ وهو الواسطة التي جاءت بخبر الإيمان ؛ وظُلْم الكون كله ؛ لأن الكون بكل أجناسه مُسبّح لله .
وقول الحق سبحانه:
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون . .} [إبراهيم: 42] .
نجد فيه كلمة"يعمل". ونعلم أن هناك فَرْقاً بين"عمل"و"فعل"، والفعل هو أحداث كل الجوارح ، ما عدا اللسان الذي يقال عن حدثه"القول".
فكل الجوارح يأخذ الحادث منها اسماً ؛ وحدث اللسان يأخذ اسماً بمفرده ، ذلك أن الذي يكب الناس على مناخرهم في النار إنما هو حصائد ألسنتهم ، والفعل والقول يجمعهما كلمة"عمل".
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه"يعمل"، ذلك أن المشركين الذين استقبلوا القرآن كانوا يُرْجِفون بالإسلام وبالرسول صلى الله عليه وسلم بالكلام ؛ وكل الأفعال التي قاموا بها نشأتْ عن طريق تحريض بالكلام .
وتأتي هذه الآية الكريمة التي يُؤكّد فيها سبحانه أنه يُمكّن لهم الذنوب ليُمكِّن لهم العقوبة أيضاً ؛ ويأتي قوله:
{إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار} [إبراهيم: 42] .