أما غير ذلك من القصص والأخبار التي يحكيها الأزرقي والمُحِبُّ الطَّبَري وغيرهما من أن البيت نزل من الجنةِ مع آدمَ، وأن الطوفان طمسه، وغير ذلك من الأخبار والروايات، فيشبه - والله أعلم - أن تكون من نسجِ الخيالِ الجاهليِّ وغيره، من الذين تَغلِبهم الأهواءُ والعواطفُ، فيَجْرُون وراءها بدون رويَّة ولا حكمة، فذهبوا يَنسِجُون من هذه الروايات والأساطير ما يُملِي عليهم غلوُّهم كما أَملَى عليهم في غير البيت المحرَّم، وخدع بهم وبأساطيرِهم أمثالَهم من المتأخِّرين من مؤرِّخين ومفسِّرين وغيرهم، وتَبِعهم الجماهير والدَّهماءُ، فتاهوا في مفازاتٍ لا آخرَ لها من هذه الأوهام والأساطير.
وبيتُ الله المحرَّم غَنِيٌّ عن كل ذلك؛ فإنه ما وَضَع ولا رَفَع قواعدَه إبراهيمُ وإسماعيلُ ليعظَّم البناءُ والحجرُ، ويقدَّس تقديسَ العبادةِ للأحجارِ والأمكنةِ؛ فإن هذا هو الشرك والوثنية التي دعا
إبراهيمُ ربَّه أن يجنِّبه وبَنِيه عبادتَها، وهي التي أمر الله خليلَه إبراهيمَ أن يطهِّره من أرجاسِها، ويبعدَها عنه كل البعد، وإنما وُضِع البيتُ ورُفِعت قواعدُه ليُعبَدَ اللهُ وحدَه عنده بالطواف والركوع والسجود والعكوف، توجهًا إلى اللهِ، وإخلاصًا لعبادتِه وحدَه، مع الإيمانِ بأنه حجرٌ ككلِّ الأحجارِ التي تُنحَت وتُبنَى بها كل البيوت، كما قال ذلك المؤمنُ الصادقُ الإيمانِ المعظِّم للبيت كلَّ التعظيم عمرُ بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في الحجر الأسودِ الذي لا يُقَبَّل في البيت المحرَّم مكانٌ سواه:"إنِي لأعلمُ أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ".
ولقد كانت قريشٌ الوثنيةُ تعبدُ هذا البيتَ وتقدِّس حجارتَه تقديسَ عبادةٍ، بما أوحى إليها الشيطانُ من التماسِ البركةِ من حجارته وحصاه وترابِه وأركانِه، كما كانت تعبدُ ما اتَّخذت لأوليائها ومن زعمتهم صالحين ومقرَّبين عند الله؛ من صورٍ وتماثيلَ أقامتها حول الكعبة وفي جوفها، حتى لقد اتَّخذت لإبراهيمَ وإسماعيلَ وكبشِ الفداءِ أصنامًا كذلك في جوف الكعبة، قدَّستها وعبدتها، واعتقدت فيها السرَّ والبركةَ وأنواعَ الشفاءِ من العللِ والأمراضِ.