وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي إن أردتم تعداد نعم الله المنعم بها عليكم لا تطيقوا حصرها لكثرتها. والنعمة هنا قائمة مقام المصدر، بمعنى الإنعام، كالنفقة والإنفاق، ويدل ذلك على العموم لأن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة.
والمقصود من الجملتين الأخيرتين: وَآتاكُمْ .. وَإِنْ تَعُدُّوا الإخبار عن عجز العباد عن تعداد النعم، فضلا عن القيام بشكرها.
فبعد أن ذكر الله تعالى تلك النعم العظيمة، أبان أنه لم يقتصر عليها، بل أعطى عباده من المنافع ما لا يتأتى معه الإحصاء، بقوله: وَآتاكُمْ .. ثم ختم الكلام بقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا ليبين أنه آتى العباد من كل ما احتاجوا إليه، مما لا تصلح الأحوال والمعيشة إلا به. قال طلق بن حبيب رحمه الله تعالى: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين.
وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقول: «اللهم لك الحمد غير مكفّي، ولا مودّع، ولا مستغنى عنه ربنا»
وقال
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «الحمد لله الذي لا يؤدّى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها» .
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ أي إن الإنسان يظلم النعمة بإغفال شكرها، شديد الكفران لها، والمراد بالإنسان هنا الجنس، فلا يراد به الواحد، بل يراد به الجمع، أي توجد فيه هذه الخلال، وهي الظلم والكفر، يظلم النعمة بإغفال شكرها، ويكفرها بجحدها.
ويلاحظ أنه تعالى قال هنا: إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ وقال في سورة النحل [18] : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ والفرق بين الخاتمتين: أن الكلام هنا مناسب لتعداد قبائح الإنسان من كفران النعمة والظلم الذي هو الشرك، وأما في سورة النحل فيناسب ما ذكر في الآية من تعداد فضائل الله على الإنسان، ومنها اتصافه بالمغفرة والرحمة، تحريضا على الرجوع إليه.