34 -ولما ذكر الله سبحانه وتعالى النعم العظام التي أنعم الله بها على عباده وسخرها لهم .. بين بعد ذلك أنه تعالى لم يقتصر على تلك النعم، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر: حيث قال: {وَآتَاكُمْ} ؛ أي: وأعطاكم مصلحة لكم {مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} ؛ أي: بعض جميع ما سألتموه، فإن الموجود من كل صنف بعض ما قدره الله تعالى، فـ {من} للتبعيض.
وقال الأخفش: أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئًا، فحذف شيئًا، وقيل: المعنى: وآتاكم من كل ما سألتموه ومن كل ما لم تسألوه، فحذفت الجملة الأخرى. قاله ابن الأنباري، وقيل: {من} زائدة؛ أي: آتاكم كل ما سألتموه. وقيل: للتبعيض؛ أي: آتاكم بعض كل ما سألتموه.
وقرأ ابن عباس والضحاك والحسن ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو بن فائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في رواية: {من كلٍ} - بالتنوين - وهي شاذة؛ أي: من كل هذه المخلوقات المذكورات، و {ما} موصولة مفعول ثان؛ أي: ما شأنه أن يسأل بمعنى يطلب الانتفاع به؛ أي: آتاكم من كل شيء الذي سألتموه. ويجوز أن تكون {ما} نافية؛ أي: آتاكم من جميع ذلك حال كونكم غير سائلين له.
والمعنى: أي هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم من كل الذي هو حقيق أن تسألوه، سواء أسألتموه أم لم تسألوه؛ لأن هذه الدنيا قد وضع الله تعالى فيها منافع يجهلها الناس، وهي معدة لهم، فلم يسأل الله أحد في الأمم الماضية أن يعطيهم الطائرات والمغناطيس والكهرباء، بل خلقها وأعطاها للناس بالتدريج، ولم يزل عجائب ستظهر لمن بعدها. {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} التي أنعم بها عليكم بسؤال وبغيره {لَا تُحْصُوهَا} ؛ أي: لا تطيقوا حصرها وعدها ولو إجمالًا لكثرتها وعدم نهايتها. وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة. وأصل الإحصاء أن الحساب كان إذا بلغ عقدًا معينًا من عقود الأعداد وضعت له حصاة ليحفظ بها، ثم استؤنف العدد.