فلقد انتهز الشيطانُ من أولئك الفلاسفةِ إعراضَهم عن العلم السماوي، وكراهيتَهم التي مكَّنها في قلوبِهم لرسلِ الله، وما ملأ به نفوسَهم من الحقدِ والغلِّ على اللهِ ورسلِه وكتبِه وشرائعِه، ثم ما فُتِنوا به من الذكاءِ وحدَّة الذهن، فأجرى على ألسنتِهم بعضَ الحِكَمِ الاجتماعيةِ والتعاليمِ الأخلاقية، والفنونِ الصناعية التي أَتقَنُوها بطولِ المِرَانِ والممارسة، وعنايةِ وَلِيِّهم - الشيطانِ - بهم في ذلك، بما زيَّن لهم من حذقٍ لدراسةِ ظواهرِ الكون، وطبقاتِ الناس، وأوحى إليهم بمقدِّماتٍ ونتائجَ، إلى غيرِ ذلك مما أتقنه أولئك الفلاسفةُ من نظريات، هي في الواقع عند التحقيقِ تنتهي إلى أمورٍ بسيطةٍ، إذا كانت متعلِّقة بظواهر الكون، واختلاف طبقات الناس والأشياء الواقعة تحت حواسِّ كلِّ الناس، وهي ميسورةٌ لكلِّ واحدٍ منهم بدون هذا التعقيدِ الفلسفي، وبدون هذا اللفِّ والدوران الطويل المُمِلِّ، إذا آمَن الناسُ بسننِ الفطرة وآيات الله في نفسِه وفي الآفاق، أو تنتهي إلى أسخفِ السخفِ، وأجهل الجهل، وأكفرِ الكفرِ، إذا كانت متعلِّقة بما وراء هذا العالَم المادي، مما استَأثَر الله - سبحانه - بعِلْمِه من عالَم الغيبِ، في ذاتِ الله وأسمائه وصفاته، وأسرارِ ربوبيته في الرُّوح والموت، وما وراء هذه الحياة الدنيا من شؤون الملائكة، والحساب والثواب والآخرة، والجنة والنار، ولكنه وحي الشيطانِ وأمانيُّه الكاذبة.