وقوله تعالى: {وَلَا تُخَاطِبْنِي} ، قال الخليل: الخطاب مراجعة الكلام، يقال: خاطبته خطابًا. فجعل الخطاب اسمًا لما يتردد بين المتكلمين من ابتداء وجواب، والكلام إذا تضمن المسألة قيل فيه خاطب، ومنه قوله: {وَلَا تُخَاطِبْنِي} أي لا تسألني في معناهم، قال ابن عباس:
يريد: لا تراجعني ولا تحاورني ولا تسألني.
وقوله تعالى: {فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، قال الزجاج وأبو بكر: في إمهال الذين ظلموا، أو في تأخير العذاب عنهم، ويراد بالذين ظلموا قومه، قال ابن الأنباري: فدعا نوح بعد هذا القول طاعة لله واتباعًا لأمره علي قومه، فقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ} [نوح: 26] الآية، وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان.
38 -قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} ، قال أبو علي الجرجاني: معناه: وأقبل يصنع فاقتصر على قوله: {وَيَصْنَعُ} .
وقوله تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} ، قال محمد بن إسحاق: قالوا: يا نوح صرت بعد النبوة نجارًا؟ وقال عامة المفسرين: إنهم رأوه ينجر الخشب، ويبني شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك قال: أعمل سفينة تجري في الماء، ولم يكونوا رأوا قبل ذلك السفينة، ولا ماء هناك يحمل مثلها، فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله لها، فقال نوح: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} ، قال أبو إسحاق: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلون. وقال ابن الأنباري: إن تسخروا منا لما ترون من صنعة الفلك فإنا نعجب من غفلتكم عما قد أظلكم من العذاب.
وقال بعض المفسرين. إن تسخروا منا الساعة، فإنا نسخر منكم بعد الغرق، ووقوع البوار بكم. وقال أهل المعاني: سمى الثاني سخرية، وليس بسخرية في الحقيقة؛ ليتفق اللفظان فيكون اتفاقهما أخف على اللسان، وقد مضى لهذا نظائر.