وفي هذا القول ما يؤكِّد أن نوحاً عليه السلام يعلم أن العذاب سوف يأتيهم ؛ لأنهم كفروا وسَخِروا وقالوا:
{فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} [هود: 32] .
وقول الحق سبحانه:
{وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} هود: 39] .
نجد فيه كلمة {يَحِلُّ} وهي ضِدُّ الرحيل ، وتفيد النزول من أعلى إلى مكان الإقامة ، فَحَلَّ بالمكان ، أي: نزلَ ليقيم به ، والضِّدُّ هو الرحيل أو الترحال .
وقول الحق سبحانه: {مُّقِيمٌ} يعني أن العذاب الذي سيحِلُّ بهم عذاب دائم .
ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور}
وكلمة {حتى} تدل على الغاية وكلمة {أَمْرُنَا} تدل على الطوفان ، ثم الأمر من الحق سبحانه بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ، ومَنْ آمن معه وكانوا قِلَّة قليلة .
إذن: ففي قصة نوح عليه السلام أكثر من مرحلة ، أمر من الله تعالى بقوله:
{واصنع الفلك} [هود: 37] .
وعمل من نوح عليه السلام بأن يصنع ، وقد استغرق هذا الفعل وقتاً طويلاً من نوح عليه السلام إلى أن جاء أمر الطوفان الذي يدل عليه قول الحق سبحانه:
{وَفَارَ التنور} [هود: 40] .
ومعنى كلمة {فَارَ} أي: أن الماء قد وصل إلى درجة الغليان .
فالماء يحتوي على هواء بدليل أن السمك يتنفس من الماء ، وحين نغلي الماء نرى فقاقيع الهواء وهي تخرج من الماء ، ثم يثقل الماء إلى أن تشتد سخونة الغليان ، فيفور الماء منثوراً خارج إناء الغليان .
و"التنور"هو المكان الذي تتم فيه عملية الخبز ، وخروج الماء من التنور هو علامة مميزة يعلمها نوح عليه السلام ليحمل من يريد نجاتهم ، من المؤمنين ، ومن متاع الدنيا كله .
وكانت العلامة هي خروج الماء من غير مَظَانِّه وهو التنور .