وما يزال البشر يكتشفون من أسرار الموت وأسرار الحياة، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، وتحول العناصر في مراحل إلى موت أو حياة، ما يزيد مساحة السؤال وعمقه وشموله كل يوم وكل لحظة. وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار إلى دم حي في الجسم الحي، وتحول هذا الدم إلى فضلات ميتة بالاحتراق، لأعجوبة يتسع العجب منها كلما زاد العلم بها. وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار. وإن الحياة لأعجوبة غامضة مثيرة تواجه الكينونة البشرية كلها بعلامات استفهام لا جواب عليها كلها إلا أن يكون هناك إله، يهب الحياة. وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟ ..
في هذا الذي ذكر كله وفي سواه من شئون الكون وشئون البشر؟ من يدبر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق؟ ومن يدبر حركة هذه الحياة فتمضي في طريقها المرسوم بهذا النظام اللطيف العميق؟ ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر، والتي لا تخطئ مرة ولا تحيد؟ ومن .. ومن؟ ..
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ .. فهم لم يكونوا ينكرون وجود الله، أو ينكرون يده في هذه الشئون الكبار. ولكن انحراف الفطرة كان يقودهم مع هذا الاعتراف إلى الشرك بالله، فيتوجهون بالشعائر إلى سواه، كما يتبعون شرائع لم يأذن بها الله.
فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ؟ .. أفلا تخشون الله الذي يرزقكم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، والذي يدبر الأمر كله في هذا وفي سواه؟ إن الذي يملك هذا كله لهو الله، وهو الرب الحق دون سواه: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ. اهـ)
فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أي لا واسطة بين الحق والضلال، فمن تخطى الحقوق وقع في الضلال، فالله الحق وكل معبود سواه باطل، ورسوله الحق فكل ما يناقض ذلك باطل. ووحيه الحق فكل ما خالفه باطل، والعبودية له هي الحق فكل عبودية لغيره باطلة فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن الحق إلى الضلال والباطل، عن التوحيد إلى الشرك، عن اتباع الرسول إلى اتباع الشيطان، عن اتباع الوحي إلى اتباع الهوى