والصدق - كما نعلم - هو الخصلة التي لا يمكن لمؤمن أن يتنحى عنها ؛ لأنه لو تنّحى عنها ، فهذا يعني التنحّي عن الإيمان . وحينما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: نعم ، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: نعم ، فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟
فقال: لا .
إذن: فالصدق هو جماع الخير . وعلى الصدق تدور الحركة النافعة في الكون .
وحين يصدق التاجر في ثمن الأشياء ؛ ويصدق العامل في إخلاصه للعمل ؛ ويصدق الصحفي في نقل الخبر ، ويصدق كل فرد في المجتمع ، هنا يتكامل المجتمع وينسجم ؛ لأن الفساد في الكون إنما ينشأ من الكذب ، والكذب هو الذي يخل بحركة الحياة .
لذلك أتى الله بكلمة الصدق في القرآن في أكثر من موضع ، فهو القائل: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ...} [يونس: 93]
فحين قالوا: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ ...} [البقرة: 61]
أنزلهم الله بمكان يحقق لهم ما طلبوا من طعام ، فلم يخدعهم سبحانه ، ويأتي الحق مرة ثانية بكلمة الصدق فيقول: {واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين} [الشعراء: 84]
أي: اجعل لي ذكْراً حسناً فيمن يأتون من بعدي ، فلا يقال في تاريخي كلام كذب ، وألا يخلع عليَّ الناس ما ليسَ فيّ .
وقد قال الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن الإنسان: {وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المسلمين} [الأحقاف: 15]