ولا بد - إذن - أن يكون البيت موضوعاً قبل أن يكون آدم ، وأن الذي وضعه هو من غير الناس ، فالذي وضعه هو بأمر من الحق سبحانه ، فلا يقولن أحد: إن إبراهيم - عليه السلام - هو الذي وضع البيت الحرام ؛ لأن مهمة إبراهيم - عليه السلام - كانت هي رفع القواعد من البيت ؛ لأننا لو قلنا: إن إبراهيم - عليه السلام - هو الذي بنى البيت ؛ فكيف ينسجم هذا مع قوله الحق:
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ ...} [البقرة: 127]
وهو قول نفهم منه أن إسماعيل كان شريكاً لوالده في الرفع والبناء ، ولا بد أن يكون قد امتلك درجة من القوة تجعله قادراً على مساعدة الأب في العمل .
وهذا القول أيضاً نفهم منه أن عملية رفع القواعد من البيت لم تتم وقت أن كان إسماعيل رضيعاً ؛ لأن الحق سبحانه قال على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم ...} [إبراهيم: 37]
وهذا يعني أن البيت كان موجوداً قبل ذلك .
وقولنا هذا يرد على بعض العلماء الذين قالوا: إن إبراهيم - عليه السلام - هو أول من بنى الكعبة فنقول لهم: وماذا عن الخلق البشري من قبل إبراهيم إلى لَدُنْ آدم ، أليسوا ناساً ؛ فلماذا لم يكن لهؤلاء الناس من قبل إبراهيم بيتٌ محرّمٌ؟
وهكذا شاء الحق سبحانه أن يكون البيت الحرام لكل الناس من لدن آدم ، وأنه موضوع من قِبَلِ الله .
وكلمة الناس - إذن - عامة حين يتعلق الأمر بحكم عام ، وتكون خاصة في مواقع أخرى ، مثل قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ...} [النساء: 54]
وأما سورة"الناس"بالاستقراء الدقيق في هذه السورة ، نجد الحق سبحانه يقول: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس} [الناس: 1]
وهذا إعلان للربوبية لكل الخلق ، فهو الرب الذي أوجد وأعطى الصفات لكل مخلوق .