فأنت تدفع عن نفسك الأمر الذي يأتي بالضُرّ أولاً ، ثم تتجه إلى ما يجلب النفع من بعد ذلك ؛ لأن دَرْء المفسدة مُقدّم على جلب المصلحة .
ونجد الحق سبحانه يحدد الإنذار بأنه للناس ، والناس: هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم الساعة . وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة"الناس"، وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات التشكيك في القرآن ، وقالوا: إن القرآن فيه تكرار لا لزوم له .
وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون هي سورة"الناس"حيث يقول الحق: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس * مَلِكِ الناس * إله الناس * مِن شَرِّ الوسواس الخناس * الذي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس * مِنَ الجنة والناس} [الناس: 1 - 6]
وهذا الجمع من المستشرقين فهموا أن المعنى لكلمة"الناس"في كل آية من آيات هذه السورة هو معنى واحد . ولنهم لم يتمتعوا بملكة اللغة ؛ لم يلتفتوا إلى أن معنى كلمة"الناس"في كل موقع هو معنى مختلف وضروري ؛ لأن الحق سبحانه أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جائبة لمعناها ، وأن يكون كل معنى جاذباً للكلمة المناسبة له .
والمثال أيضاً في كلمة"الناس"؛ هو قول الحق سبحانه: {أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ...} [النساء: 54]
فهل كل الناس تتلقى الحسد؟ لو كان الأمر كذلك فمن الحاسد؟ إذن: فقوله الحق: {أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ...} [النساء: 54]
إنما يعني أن هناك أناساً حاسدين ، وآخرين محسودين ، ولا تكون كلمة"الناس"عامة شاملة لكل الأفراد إلا في حالة الحكم العام .
والمثال هو قوله الحق: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ...} [آل عمران: 96]
وهذا القول الحق يحل لنا إشكالاً عاماً ، فالبيت الحرام موضوع لكل الناس ، من لَدُن آدم ، وآدم أبو الناس .