وبعد أن تتجدد حيويته صلى الله عليه وسلم يأتي الوحي من جديد ؛ لذلك قال الحق: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى} [الضحى: 4 - 5]
وبعد هذه السورة يقول الحق سبحانه في سورة الشرح: {والضحى * والليل إِذَا سجى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى} [الشرح: 1 - 4]
وهكذا بيَّن لنا الحق أن مسألة فتور الوحي وعودته هي عملية متكاملة ، لكن الأغبياء فقط هم من يظنون أنها نتناقضة ويقولون: (ظلمة - وضوء) ، و (ليلٌ - ونهارٌ) والحق أنها متكاملة .
ومثل هذا الأمر تجده أيضاً فيمن يحاولون خَلْق عداوة بين الرجل والمرأة ، ولم يتفهَّموا أن الذكر متمّم للأنثى ، وأن الأنثى متمّمة للذكر .
وهنا يقول الحق {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا ...} [يونس: 2]
والإنذار - كما نعلم - هو الإخبار بشيء يمكن أن تتلافاه .
أما البشارة فهي الإخبار بخير يحثُّك من يبشرك على أن تقتنيه . وأنت تنذر من يهمل في دراسته بأنه قد يرسب ، وأنت حين تنذره إنما تطالبه بأن يجتهد ، وفي المقابل فأنت تبشر المجتهد بالنجاح وبالمستقبل الطيب .
إذن: فالإنذار يعني أن تحث الإنسان على ألا يقبل أو يُقْدِمَ على ما يضره . والتبشير يعني أن تحث الإنسان على أن يجتهد ؛ لينال ما يحبه . والأمور في الأحداث كلها تدور بين سَلْب وإيجاب .
ولسائل أن يقول: ولماذا جاء سبحانه بالإنذار قبل البشارة؟
فنقول: إن كلمة"الإنذار"كلمة عامة لكل الناس ، حتى يتجنبوا ما يقودهم إلى النار ، لكن البشارة تكون لمن آمن فقط . أو أن الإنذار والبشارة للمؤمنين ، ولكن شاء الحق أن يجعل المؤمنين في صف البشارة دائماً ، وأن يكون الإنذار لوناً من ضرورة التخلية من العيوب ، قبل التحلية بالكمال .