والزمان الذي يحدث فيه أي حدث اسمه"ظرف زمان"، والمكان الذي يحدث فيه الحدث اسمه"ظرف مكان"؛ وظرف المكان ظرف قارّ ثابت ، بينما ظرف الزمان غير قارٍ ، بل هو حال ، وبعد قليل يصبح الحال زمناً ماضياً ؛ ويأتي المستقبل ليكون حاضراً ، ثم يصبح ماضياً .
وهكذا نعلم أن زمناً يحدث فيه التناوب بين المستقبل والحال والماضي ، والليل والنهار هما أوضح صور ظرف الزمان وفيهما اختلاف ، فالليل يأتي والنهار خلفه ؛ لأن النهار جعله الله ضياء ؛ للحركة والكدح والعمل ، وجعل سبحانه الليل ظلاماً ؛ للسكون والراحة ، فإن لم ترتحْ بالليل ؛ لا تقوى علة العمل في الصباح ، وهكذا يكون الليل مكملاً للنهار لا مناقضاً له .
وكذلك شاء الحق أن يكون الوحي بهذا الشكل ، فحين جاء الوحي لأول مرة أجهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم فتر الوحي ليستريح صلى الله عليه وسلم ؛ وتتجدد قدرته على استقبال الوحي من بعد ذلك .
وحين قال الكافرون: إن ربَّ محمد قد قلاه ، ردّ عليهم الحق سبحانه وتعالى: {والضحى * والليل إِذَا سجى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى} والضحى ضحوة النهار وهي - كما قلنا - للعمل والحركة ، فإذا جاء الليل فهو يبدو وكأنه ضد النهار ، لكنه غير ذلك ، بل هو مكمل له ويساعده .
إذن: ففتور الوحي لمدة من الزمن كان لمساعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجديد الحيوية . وقد أقسم الحق سبحانه بالضحى والليل ، وهو قسم بالظاهرة الكونية المشاهدة والتي يعترف بها كل إنسان ، مؤمنهم ، وكافرهم!
أقسم الحق بالضحى أنه ما قلى رسوله ، بل شاء بفتور الوحي أن يعطيه طاقة تزيد من حركته ، وتزيد من جهده ليشتاق صلى الله عليه وسلم لأمر الوحي . وبذلك أعانه الحق على مهمته ، وفي هذا أبلغ ردٍّ على من قالوا: إن رب محمد قد قلاه ، وإثبات أن الحق قد شاء لفترة فتور الوحي أن تكون كالليل سكوناً ، ليهدأ صلى الله عليه وسلم بعد الضحى المجهد الذي استقبل به الوحي .