{وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [التوبة: 26] أي: النفوس المتمردة عذبها بنهيها عن هواها، واستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وتزكيتها عن أوصافها، {وَذلك جَزَآءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 26] أي: وذلك علاج النفوس المتمردة، {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذلك} [التوبة: 27] أي: من بعد ذلك العلاج، {عَلَى مَن يَشَآءُ} [التوبة: 27] يعني: يرد ما يشاء من النفوس بجذبة {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] إلى حضرة جلاله، وهذا إشارة إلى السير إلى الله بالله، {وَاللَّهُ غَفُورٌ} [التوبة: 27] بصفة مغفرته للسائرين إليه، {رَّحِيمٌ} [التوبة: 27] بهم فيما يغفر لهم.
ثم أخبر عن حال المشركين بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] الإِشارة فيها: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} يشير الخطاب إلى الأرواح المؤمنة، وإعلانها عن أحوال النفوس المشركة أنها نجس ونجاستها شركها، أنها تعبد الدنيا والشيطان والهوى من دون الله، {فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة: 28] وهو القلب، {بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] أي: بعد البلوغ، وذلك أن الله تعالى قد رفع قلم التكليف عن الإنسان إلى أن يبلغ لاستكمال القالب، ففي تلك الحالة كانت النفس وصفاتها تطفن حول كعبة القلب مستمدات من قوته العقلية والروحانية، وبهذا يظفرون بمشتهياتهن من الدنيا ونعيمها حتى صار دأبهن تعبد الدنيا والإشراك بالله طبعهن، وبذلك الكامل القالب واستوت أوصاف البشرية الحيوانية عند ظهور الشهوة بالبلوغ، ثم أجرى الله عليهم قلم التكليف، ونهى القلوب عن اتباع النفوس، وأمرها بقتالها ونهاها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة.