وقال الألوسي في قوله تعالى: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ أي في التخلف الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تخصيص الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعث على الجهاد والمانع عنه الإيمان بهما وعدم الإيمان فمن آمن بهما قاتل في سبيل دينه وتوحيده وهان عليه القتل فيه لما يرجوه في اليوم الآخر من النعيم المقيم ومن لم يؤمن بمعزل عن ذلك، على أن الإيمان بهما مستلزم للإيمان بسائر ما يجب الإيمان به وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ عطف على الصلة، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الريب وتقرره فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ وشكهم المستمر في قلوبهم يَتَرَدَّدُونَ أي يتحيرون» أقول:
دلت الآية الأولى على أن الجهاد - إذا تعين - لا يحتاج إلى استئذان وهذا موضوع مهم في عصرنا.
لقد رأينا مذهب الإمام مالك، أنه إذا لم يبلغ المجاهدون اثني عشر ألفا لا يفترض عليهم أن يقاتلوا من غير أحكام الله وبدلها ولكن إذا لم يفترض عليهم فإنه جائز لهم، فإذا ما رغب أفراد أن يقاتلوا الذين غيروا وبدلوا فإن لهم ذلك، ولا يحتاجون إلى إذن أحد في ذلك إلا إذا ترتب على ذلك أن تستضر جهات مسلمة غيرهم بسبب ذلك فعليهم أن يستأذنوها أو يعملوا على ألا يلحق غيرهم ضرر بسببهم، وهو موضوع يحتاج إلى فتوى أهلها وتحتاج الفتوى فيه إلى موازنات متعددة.
2 -قال النسفي: (وقيل شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من الأسارى فعاتبه الله، وفيه دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام لأنه عليه الصلاة والسلام إنما فعل ذلك بالاجتهاد وإنما عوتب - مع أن له ذلك - لتركه الأفضل، وهم يعاتبون على ترك الأفضل) .
3 -وفي قوله تعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ قال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي بن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم فثبطهم الله لعلمه بهم إن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم فقال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ.