يعني: ستر وأظلم ، والجنون ستر العقل . والجنة تستر من فيها ؛ لأن أشجارها كبرت ونمت وترعرعت . بحيث يكون من يسير فيها مستوراً بأغصان الشجر وأوراقه ؛ فلا يراه أحد . ويكون مستوراً في كل مطلوبات حياته . فلا يحتاج أن يخرج منها ؛ لأن فيها كل مطلوبات الحياة من الماء والطعام والمكان يجلس أو يتريض فيه ، وغيرها من النعم التي أنعم الله بها عليه .
فإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد وعد المؤمنين والمؤمنات جنات ، فإن المؤمنين جماعة ، والمؤمنات جماعة ، والموعود به جنات جمع ، وتقابل الجمع بالجمع يقتضي القسمة لآحاد ، فيكون المعنى: أن الله وعد كل مؤمن جنة ، ووعد كل مؤمنة جنة ، والأفراد ستتكرر .
إذن: فالموعود به جنات لا بد أن تتكرر ، فإذا قسمناها عرفنا نصيب كل مؤمن ومؤمنة ، تماماً مثلما يقول الأستاذ لتلاميذه ، أخرجوا كتبكم . و"أخرجوا"أمر لجماعة ، وكتبكم جمع ، أيك أن يخرج كل تلميذ كتابه . وقول المعلم"أمسكوا أقلامكم"يعني: أن يمسك كل تلميذ قلمه .
إذن: فقول الحق سبحانه {وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ} أي: أن لكل واحد جنة . ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الرحمن: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]
وهنا لا بد أن ننتبه لمعطيات الألفاظ في سياقها ومقامها ؛ فسورة الرحمن لا تتكلم عن الإنس فقط ، وإنما تتكلم عن الإنس والجن . فسبحانه وتعالى يقول: {خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار * وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} [الرحمن: 14 - 15]
وكذلك قوله جل جلاله: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان} [الرحمن: 31]
إذن: فيكون للإنس جنة وللجن جنة ؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]
من خاف مقام ربه من الإنس له جنة ، ومن خاف مقام ربه من الجن له جنة .