{ومنهم من يقول: ائذن لي ولا تفتني. ألا في الفتنة سقطوا ، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا: قد أخذنا أمرنا من قبل ، ويتولوا وهم فرحون. قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون. قل: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين؟ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا. فتربصوا إنا معكم متربصون} .
روى محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن قتادة قالوا:"قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، وهو في جهازه (أي لغزوة تبوك) للجد بن قيس أخي بني سلمة: هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر؟" (يعني الروم) فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال:"قد أذنت لك"ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية.
بمثل هذه المعاذير كان المنافقون يعتذرون. والرد عليهم:
{ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} ..
والتعبير يرسم مشهداً كأن الفتنة فيه هاوية يسقط فيها المفتونون ؛ وكأن جهنم من ورائهم تحيط بهم ، وتأخذ عليهم المنافذ والمتجهات فلا يفلتون. كناية عن مقارفتهم للخطيئة كاملة وعن انتظار العقاب عليها حتماً ، جزاء الكذب والتخلف والهبوط إلى هذا المستوى المنحط من المعاذير. وتقريراً لكفرهم وإن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم فيه منافقون.
إنهم لا يريدون بالرسول خيراً ولا بالمسلمين ؛ وإنهم ليسؤوهم أن يجد الرسول والمسلمون خيراً:
{إن تصبك حسنة تسؤهم} ..
وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وما ينزل بهم من مشقة:
{وإن تصبك مصيبة يقولوا: قد أخذنا أمرنا من قبل} ..
واحتطنا ألا نصاب مع المسلمين بشرّ ، وتخلفنا عن الكفاح والغزو!
{ويتولوا وهم فرحون} ..