إنه لطف الله برسوله ، فهو يعجل له بالعفو قبل العتاب. فلقد تدارى المتخلفون خلف إذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بالقعود حين قدموا له المعاذير. وقبل أن ينكشف صدقهم من كذبهم في هذه المعاذير وكانوا سيتخلفون عن الركب حتى ولو لم يأذن لهم. فعندئذ تتكشف حقيقتهم ، ويسقط عنهم ثوب النفاق ، ويظهرون للناس على طبيعتهم ، ولا يتوارون خلف إذن الرسول.
وإذا لم يكن ذلك فإن القرآن يتولى كشفهم ، ويقرر القواعد التي يمتاز بها المؤمنون والمنافقون.
{لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم ، فهم في ريبهم يترددون} .
وهذه هي القاعدة التي لا تخطئ. فالذين يؤمنون بالله ، ويعتقدون بيوم الجزاء ، لا ينتظرون أن يؤذن لهم في أداء فريضة الجهاد ؛ ولا يتلكأون في تلبية داعي النفرة في سبيل الله بالأموال والأرواح ؛ بل يسارعون إليها خفافاً وثقالاً كما أمرهم الله ، طاعة لأمره ، ويقيناً بلقائه ، وثقة بجزائه ، وابتغاء لرضاه. وإنهم ليتطوعون تطوعاً فلا يحتاجون إلى من يستحثهم ، فضلاً عن الإذن لهم. إنما يستأذن أولئك الذين خلت قلوبهم من اليقين فهم يتلكأون ويتلمسون المعاذير ، لعل عائقاً من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بتكاليف العقيدة التي يتظاهرون بها ، وهم يرتابون فيها ويترددون.
إن الطريق إلى الله واضحة مستقيمة ، فما يتردد ويتلكأ إلا الذي لا يعرف الطريق ، أو الذي يعرفها ويتنكبها اتقاء لمتاعب الطريق!
ولقد كان أولئك المتخلفون ذوي قدرة على الخروج ، لديهم وسائله ، وعندهم عدته:
{ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} ..
وقد كان فيهم عبد الله بن أبي بن أبي سلول ، وكان فيهم الجد بن قيس ، وكانوا أشرافاً في قومهم أثرياء.
{ولكن كره الله انبعاثهم} ..