وقال الشافعي: الفقراء: الزمنى الضعاف الذي لا حرفة لهم وأهل الحرفة الضعيفة التي لا تقع حرفته من حاجتهم موقعًا، والمساكين: السؤال ممن لهم حرفة تقع موقعًا ولا تغنيه وعياله، فالفقير أشدهما حالاً عند الشافعي وإلى هذا ذهب جماعة، وقال أحمد بن عبيد: المسكين أحسن
حالاً من الفقير؛ لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل: مطبوخ وطبيخ ومجروح وجريح. وقال خالد بن يزيد: كأن الفقير إنما سمي فقيرًا لزمانة تصيبه مع حاجة شديدة، تمنعه الزمانة من التقلب في الكسب على نفسه فهذا هو الفقير، ولا حال في الإقلال والبؤس هي أوكد من هذه الحال، وأنشدوا للبيد:
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل
قال ابن الأعرابي في هذا البيت: الفقير: المكسور الفقار يضرب مثلاً لكل ضعيف لا ينفذ في الأمور.
وقال قتادة: الفقير: الزمن المحتاج، والمسكين: الصحيح المحتاج، فجعل الفقير أسوأ حالاً، ومما يدل على صحة هذا القول أن الله ابتدأ بذكرهم، فدل أنهم أولى الأصناف بالصدقات لسوء حالهم، وما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعوذ من الفقر، وروي عنه أنه قال:"اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين".
فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الحديثان؛ لأنه يتعوذ من الفقر ثم يسأل حالاً أسوأ منه، ولا تناقض بينهما؛ لأنه تعوذ بالله من الضر، وسوء الحال، وسأله الخضوع وأن لا يجعله من الجبارين.