فقوله (ذَا مَقْرَبَةٍ) قيل: هو الذي لا حائل بينه وبين التراب لفقره؛ فدل بذلك - والله أعلم - على أن المسكين هو الشديد الفقر، والفقير هو الذي لا يملك شيئًا، ولم يبلغ في الفقر والضرورة حال المسكين، ويدل لذلك قول عمر: ليس المسكين من لا مال له، ولكن المسكين من لا مكسب له؛ كأنه يقول: إن الذي لا مال له وله مكسب هو فقير، والمسكين أشد حالًا من الفقير، وليس له مال ولا مكسب.
وإن حمل قول النبي - عليه السلام -:"ليس المسكين الذي يسأل، ولكن المسكين الذي لا يفطن له ولا يسأل"على أن ذلك الذي لا يفطن به هو أشد مسكنة من الآخر، وإن كان الآخر مسكينًا - أيضًا - كان موافقًا للمعنى الذي ذكرنا؛ لأنا قلنا: إن المسكين هو الشديد الفقر، وقد يكون فقيرًا وإن لم يبلغ به الضر مبلغ الضر الأول.
وقد يخرج قول من قال: إن المسكين الذي يخرج هذا المخرج؛ لأن من شأن المسلم الفقير أنه يتحمل ما كانت له حيلة، ويتعفف، ولا يخرج فيسأل وله حيلة فخروجه يدل على شدة ضيقه، وعلى الزيادة في سوء حاله، فكان القولان جميعًا يرجعان إلى معنى واحد.
وإذا كان الفقير أحسن حالا من المسكين لما ذكرنا، فقد يجوز أن تدفع الصدقة إلى من له مال قليل؛ لأنه فقير، وإن لم يكن حاله في فقره حال المسكين الذي لا يملك شيئًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) .
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: يعطى لهم الثمن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يعطى لهم قدر عمالتهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يعطى لهم قدر كفايتهم وعيالهم.
أما قول من قال: يعطى لهم الثمن: فلا معنى له؛ لما يجوز ألا يبلغ الثمن الوفاء أو عمالته لا تبلغ عشر عشر ذلك.