57 - {لَوْ يَجِدُونَ} ؛ أي: لو وجد هؤلاء المنافقون {مَلْجَأً} ؛ أي مهربًا وحرزًا، يلتجؤون إليه، ويحفظون فيه نفوسهم، تحصنًا منكم، من رأس جبل أو قلعه أو جزيرة {أَوْ مَغَارَاتٍ} جمع مغارة، بمعنى: غار؛ أي: كهوفًا في الجبل، يخفون فيها أنفسهم {أَوْ مُدَّخَلًا} ؛ أي: مكانًا يدخلون فيه من الأمكنة التي ليست مغارات؛ أي: سربًا تحت الأرض يندسون ويختفون فيه منكم كالآبار، وأنفاق اليربوع، وقوله: أو مغارات أو مدخلًا من عطف الخاص على العام، لدخولهما في الملجأ {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ} ؛ أي: للتجؤوا إليه وأدخلوا أنفسهم فيه؛ أي: لو حصلوا واحدًا من هذه الثلاثة، لولَّوا إليه؛ أي لصرفوا وجوههم ورجعوا إليه؛ أي: إلى أحد هذه الوجوه الثلاثة، التي هي شرُّ الأمكنة {وَهُمْ} أي: والحال أنهم {يَجْمَحُونَ} ؛ أي: يسرعون إليه إسراعا لا يرد وجوههم عنه شيء ، لشدة تأذيهم من الرسول، ومن المؤمنين من جمح الفرس إذا لم يرده اللجام، والمعنى: لو وجدوا شيئًا من هذه الأشياء المذكورة، لولَّوا إليه مسرعين هربًا من المسلمين.
والخلاصة: أنهم لشدة كرههم للقتال معكم، ولبغض معاشرتهم إياكم ولعظيم الخوف من ظهور نفاقهم لكم، يتمنون الفرار منكم، والعيش في مكان يعتصمون به من انتقاكم منهم، حتى لو استطاعوا السكنى في الحصون والقلاع، أو في كهوف الجبال ومغاراتها، أو في أنفاق الأرض وأسرابها .. لولَّوا إليه مسرعين، كالفرس الجموح، لا يردهم شيء عن ذلك.
وإنما وصفهم الله سبحانه وتعالى بتلك الأوصاف؛ لأنهم إنما أقاموا بين أظهر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم؛ لأنهم كانوا بين عشيرتهم وفي دورهم وأموالهم، ولم يقدروا على ترك ذلك وفراقه، فصانعوا القوم بالنفاق، ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بإخفاء الكفر، ودعوى الإيمان، وفي أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله، ولأهل الإيمان به، وبالغ الحقد عليهم.