والإنسان إذا اضطر أن يمدح من يعاديه وأن يتظاهر له بالحب ، فإن هذا السلوك يمثل ثقلاً نفسياً رهيباً يحمله على ظهره ، وهكذا نرى أن المنافقين يُتعبون أنفسهم قبل أن يُتعبوا المجتمع ، تماماً كالرجل البخيل الذي يتظاهر بأنه كريم ، وكلما أنفق قرشاً ليؤكد هذا التظاهر فإن هذا القرش يذبحه في نفسه ويسبب له آلاماً رهيبة . وحتى يرتاح الإنسان مع الدنيا لا بد أن يرتاح مع نفسه أولاً ويتوافق مع نفسه .
ومن هنا نجد المنافقين حين يريدون أن يُنفِّثوا عما في صدورهم ، فهم يَختَلُّون ببعضهم بعضاً بعيداً عن أعين وآذان المسلمين ؛ ليُظهروا ما في نفوسهم من حقد وغِلّ وكراهية لهذا الدين ، ويبحثون عن ملجأ يكونون آمنين فيه ، أو مغارة في الجبل بعيداً عن الناس حتى لا يسمعهم أحد ، أو مُدَّخلاً وهو المكان الضيق الذي لا تستطيع أن تدخل فيه إلا بصعوبة . هم إذن يبحثون عن مكان يغيبون فيه عن سمع المؤمنين وأنظارهم ليُخرِجوا الكراهية المحبوسة في صدورهم ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مغارات أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} و {وَلَّوْاْ} أي: انطلقوا إليه وقد شغلهم الإسراع للذهاب إلى المكان عن أي شيء آخر ، {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} والجماح هو أن تفقد السيطرة على الفرس الذي تركبه ، فلا تقدر على كَبْح جماحه أو التحكم فيه ، فينطلق بسرعة ، وحين يقال هذا عن الإنسان فهو يعني الانطلاق بسرعة إلى المكان الذي يقصد إليه ولا يستطيع أحدٌ منعه ، وإنْ تعرض له أحد دفعه بعيداً لينطلق في طريقه بسرعة .