والسبب الثالث: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} والنفقة هي بذل ما عندك من فضل ما أعطاه الله لك ؛ سواء أكان ذلك مالاً أم علماً أم جاهاً أم قوة ، وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع ؛ لأن كل مجتمع به أعراض كثيرة ، تجد القوي والضعيف ، الغني والفقير ، العالم والجاهل ، الصحيح والمريض . ولو أن كل إنسان تحرك في حياته على قدر حاجته فقط لهلك الضعفاء والمرضى والعاجزون والفقراء . ولكن لابد أن يعمل كل إنسان على قدر طاقته ، وليس على قدر حاجته ، ولابد أن يأخذ من ناتج عمله على قدر حاجته ومن يعول ، فأنت تأخذ حاجتك من ثمرة طاقتك ، ثم تفيء على غيرك بفضل الله عليك ، خصوصاً على هؤلاء الذين لا يقدرون على الحركة في الحياة ، فالصحيح يعطي المريض من قوته ما يعينه على الحياة . والغني يعطي الفقير من ماله ما يعينه على الحياة . والقادر على الحركة يعطي من لا يقدر عليها ، هذا هو المجتمع المتكافل .
ومثل هذا السلوك هو لصالح الجميع ؛ لأن الغني اليوم قد يكون فقيراً غداً ، والقوى اليوم قد يكون ضعيفاً غداً ، فلو أحس الإنسان بأنه يعيش في مجتمع متكافل فهو لن يخشى الأحداث والأغيار . وهذا هو التأمين الصحيح للقادر والغني ويشعر فيه كل إنسان بالتضامن والتكافل ، فلا ينشغل الفقير خوفاً من الأحداث المتغيرة ، وإن مات فلن يجوع عياله ، وإن افتقر الغني فسوف يجد المساندة ، وإن مرض الصحيح فسوف يجد العلاج .