وقيل: هي مأخوذةٌ من التَّصدد، وهي الضَّجيجُ، والصِّياحُ، والتصفيق، فأبدلت إحدى الدَّالين ياءً تخفيفاً، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57] في قراءة من كسر الصَّاد، أي: يضجُّونَ ويلغطون، وهذا قول أبي عبيدة، وردَّه عليه أبو جعفر الرُّسْتمي، وقال: إنَّما هو مِن الصَّدْي، فكيف يُجعل من المضعَّف؟ وقد ردَّ أبو عليّ على أبي جعفر ردَّهُ وقال"قد ثبت أنَّ يصُدُّونَ من نحو الصَّوْتِ، فأخذهُ منه، وتصدية: تَفْعِلَة"ثم ذكر كلاماً كثيراً.
والثاني: أنَّها من الصَّدِّ، وهو المنعُ؛ والأصل: تَصْدِدَة، بدالين أيضاً، فأبدلت ثانيتهما ياء ويُؤيِّدُ هذا قراءةُ من قرأ"يَصُدُّونَ"بالضَّمِّ، أي: يمنعون.
وقرأ العَامَّةُ:"صلاتُهُم"رفعاً،"مُكَاءً"نَصْباً.
وأبان بن تغلب والأعمش وعاصم بخلاف عنهما: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ} نصباً،"مُكَاءٌ"رفعاً وخطَّأ الفارسيُّ هذه القراءة، وقال: لا يجوزُ أن يُخْبَر عن النَّكرةِ بالمعرفةِ إلاَّ في ضرورة؛ كقول حسَّانٍ: [الوافر]
2703 - كأنَّ سَبيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأسٍ ...
يَكُونُ مزاجَهَا عسلٌ ومَاءُ
وخرَّجها أبو الفتحِ على أنَّ"المُكَاء"و"التصدية"اسما جنس، يعني: أنَّهُمَا مصدران.
قال: واسم الجنْسٍ تعريفُه وتنكيرُهُ متقاربانِ، فلمَ يقالُ بأيِّهمَا جعل اسماً، والآخر خبراً؟ وهذا يقرُب من المعرَّف بـ"أل"الجنسيَّة، حيث وُصِفَ بالجملة، كما يُوصَف به النكرة، كقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار} [يس: 37] ؛ وقول الآخر: [الكامل]
2704 - ولقد أمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ...
فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ"لا يَعْنِينِي"
وقال بعضهم: وقد قرأ أبو عمرو:"إلاَّ مُكاً"بالقصرِ والتنوين، وهذا كما قالوه: بُكاءً، وبُكّى.
بالمدِّ والقصر.
وقد جمع الشَّاعر بين اللغتين، فقال: [الوافر]
2705 - بَكَتْ عَيْنِي وحُقَّ لها بُكَاهَا ...
ومَا يُغْنِي البُكَاءُ ولا العَوِيلُ. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 9 صـ 510 - 511}