روى البيهقي في الدلائل عن علي رضي الله عنه قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يصلي تحت شجرة، حتى أصبح» .
وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها، فكان النوم للجمع العظيم في الخوف الشديد دفعة واحدة عجيبا وفي حكم المعجز الخارق للعادة، مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهمّ، ولكن الله ربط جأشهم.
قال الماوردي: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان:
أحدهما- أن قوّاهم بالاستراحة على القتال من الغد.
الثاني- أن أمّنهم بزوال الرعب من قلوبهم كما يقال: الأمن منيم، والخوف مسهر.
وكذلك فعل الله تعالى بهم فألقى النعاس عليهم يوم أحد، كما قال تعالى:
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً، يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ، وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [آل عمران 3/ 154] .
وأنزل الله عليكم أيضا مطرا من السماء ليطهركم به من الحدث والجنابة، ويذهب عنكم وسوسة الشيطان إليكم وتخويفكم من العطش، وقيل: يذهب عنكم الجنابة التي أصابت بعضكم لأنها من تخييله، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ، أي بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن، ويُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ، وهو
شجاعة الظاهر، أي أن إنزال المطر حقق أربع فوائد: التطهير الحسي بالنظافة والشرعي بالغسل من الجنابة والوضوء، وإذهاب وسوسة الشيطان، والربط على القلوب أي توطين النفس على الصبر، وتثبيت الأقدام به على الرمال.
وظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر، وهي ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان. وقال مجاهد وابن أبي نجيح: كان المطر قبل النعاس.