ووصف الرزق بالكريم يفيد أنه لَا يكسب إلا بشريف الأعمال، ولا يتدلى في طلبه إلى حيث الأشرار، والمعنى أنه يرزق من خير، ولا ينفق إلا في خير، ولا يكتسب إلا من مكان كريم، والله يرزقه من حيث لَا يحتسب.
مقدمات يوم الفرقان
(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5)
الآيات بعضها متصل ببعض، فهذه الآيات متصلة بما قبلها في النسق والبيان والموضوع، إذ كلها في مقدمات غزوة بدر، والسير النفسي حتى تصل إلى نهايتها، وقوله تعالى:
(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) .
ما موضع"كما"في التشبيه، ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري عدة تفسيرات كلها تحتملها الآية، فذكر أنها متصلة باختلافهم في الأنفال، وأن الله تعالى انتزعها من أيديهم على رغبتهم فيها كذلك (كمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) بالأمر الثابت (وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) يقول الطبري في توضيح هذا المعنى:"ومعنى هذا أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم، وتشاححتم فيها، فانتزعها الله تعالى منكم وجعلها إلى قَسْمِهِ، وقَسْمِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسمها على العدل فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة، وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم، وإحراز عيرهم فكان عاقبة كَراهتهم للقتال بأن قدره الله لكم، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غيرِ ميعاد رشدا وهدى ونصرا وفتحا، كما قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216) ."
وخلاصة المعنى أن الله يختبركم الآن كما اختبركم في الغنائم، فقد أخذها منكم وتولى النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمتها بالعدل والمصلحة، كذلك اختبركم، فأخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - لذات الشوكة والمصلحة (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) .