وموضع العجب الواهم هو (أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِن رَّبِّكُمْ) "أن"تذكير بالحقيقة المستكنة في قلوبهم التي يطمسونها طمسا، حتى لَا يذكروا، (عَلَى رَجُلٍ منكمْ) ، أي على لسان رجل منهم، أو أن"على"بمعنى"مع"أي: مع رجل منهم، وكذلك قال المشركون لمحمد - صلى الله عليه وسلم: (. . . أَبَعَثَ اللَّه بَشَرًا رَّسولًا) ، (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسولِ يَأكل الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ. . .) ، وقد بين الله الغاية من الرسالة التي جاء بها نوح - عليه السلام - وهي غاية الرسل أجمعين فقال: (لِيُنذِرَكمْ) بهذا الذكر الذي يثير العلم الذي تطمسونه فيذكركم به منذرا من عذاب، ومبشرا بثواب (وَلِتَتَّقُوا) ولتعملوا على أن تتخذوا من عملكم وقاية لكم من العذاب، (وَلَعَلَّكُمْ ترْحَمُونَ) ، أي ولترجوا أن يرحمكم الله باتباع ما أمركم به من توحيد، وإصلاح، فإن ذلك هو الرحمة الحقيقية بكم.
قال نوح ذلك متوددا متحببا، مخاطبا بما يجمعهم من مودة، ولكنهم نفروا من دعوته، ومن هدايته فكذبوه.
(فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ(64)
الفاء: هنا للإفصاح، أو للترتيب، أي أنه ترتب على هذا الذكر، وهذه الدعوة الهادية الباعثة على العبرة أن كذبوه، وكان لَا بد بعد هذا التكذيب القاطع للحق، والهادم لكل صالح أن يكون العذاب لمن طغى، والنجاة لمن هدى، أمره الله تعالى بأن يصنع الفلك، لينجى فيه من آمن من قومِ نوح، وأن يغرق من عاند وكفر، فقال: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) ، أي بسبب تكذيبهم؛ لأن الصلة في الموصول هي سبب الحكم،
وقد أكد - سبحانه تعالى - وصفهم بالضلال، فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ) عمين جمع عم، وهو صفة مشبهة من عَمِي، فهم ضالون قد أعمى الله تعالى بصائرهم. وإنها لَا تعمى الأبصار، ولكن تعمى الأفئدة التي في الصدور.