ومن هنا اختلف أرباب الطريقة أن الأولى في العبادات الإخفاء أم الإظهار فقيل: الأولى الإخفاء صوناً لها عن الرياء. وقيل: الأولى الإظهار ليرغب غيره في الاقتداء. وتوسط الشيخ محمد بن علي الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفاً على نفسه من الرياء فالأولى في حقه الإخفاء ، وإن بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمناً من شائبة الرياء فالأولى في حقه الإظهار ليحصل فائدة الاقتداء. قال الشافعي: إظهار التأمين أفضل. وقال أبو حنيفة: الإخفاء أفضل لأنه إن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} وإن كان اسماً من أسماء الله تعالى على ما قيل فكذلك لقوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة} فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية ، ثم نهى عن مجامع المفاسد والمضار بقوله: {ولا تفسدوا في الأرض} فيدخل فيه خمسة أشياء: المنع من إفساد النفوس بالقتل ، ومن إفساد الأموال بقطع الطريق والسرقة ، وإفساد الأنساب بالزنا واللواط والقذف ، وإفساد العقول بشرب المسكرات ، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة ، وذلك أن قوله: {لا تفسدوا} منع عن إدخال ماهية الفساد في الوجود والمنع من الماهية يقتضي المنع من جميع أنواعه. ومعنى: {بعد إصلاحها} بعد أن أصلح خلق الأرض على الوجه المطابق لمنافع الخلق الموافق لمصالح المكلفين ، أو المراد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع ، فإن الإقدام على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع يقتضي وقوع الهرج والمرج وحدوث الفتن في الأرض. وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار الحرمة فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديماً للخاص على العام. وفيها أيضاً دلالة على أن كل عقد وقع التراضي به بين الخصمين فإنه منعقد صحيح لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفساداً بعد الإصلاح ، فإن وجدنا نصاً يدل على عدم صحة بعض تلك العقود