قال: لما تقدمها الأمر بالدعاء والنهي عن الإفساد في الأرض عقبه ببيان الدليل والبرهان على أن الله تعالى هو الفاعل المختار الذي لَا إله غيره، أو يكون إشارة إلى أن الدنيا سبب في الرحمة كما أن الريح الطيب سبب في الرحمة.
قوله تعالى: (سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) .
ولم يقل: أرضٍ ميت، والضرر إنما هو لعمار الأرض لَا للأرض.
قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ... (58) }
يحتمل أن يكون مثالا لحال الدعاء فمنه ما يكون من صادق مقال ما منع فهذا يخرج نباته بإذن ربه إشارة إلى قرب الاستجابة، ومنه ما يكون من خبيث غير متصف في مكانه يتذلل ولا خشوع فهذا لَا تحصل له إجابة ولا برجاء؛ فإن قلت: لم قال: (وَالْبَلَدُ) فعبر بالاسم، فقال (وَالَّذِي خَبُثَ) فعبر بالفعل؟ قلت: لأن متعلق الذم على الأعم يستلزم تطبيقه على الأخص فإِذا ثبت الذم على مطلق الخبث فأحرى ما فرقه، ولا يثبت المدح إلا على أخص الوصف تخصيصا على الاتصاف، قلت: وأورد ابن عرفة: قبل هذا سؤالين:
أحدهما: هذا وأجاب عنه بأن الخبر نص على أن الفعل إنما يطلق على من تناوله الفعل طبعا وغريزة، فمساواة الاسم بهذا الاعتبار في معناه لمعنى الخبيث.
السؤال الثاني: أتى في الثاني بأداة الحصر دون الأول، وأجاب بأن الحصر راجع إما للمشبه أو المشبه به. فإِن الأرض الخبيثة قد تنبت الطيب قليلا؛ فالمراد للمشبه مما لا تنبت إلا خبيثا بالكفر نوع واحد كله مذموم، ولما كان المسلمون نوعين: منهم من أسلم أولا ولم يعاند؛ كأبي بكر، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - والإسلام يجبُّ ما قبله، ومنهم بعد ما أذى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وعاند وكفر، فلم يؤت فيه بالحصر ليعم اللفظ هذين؛ بخلاف الكفر فإِنه نوع واحد كله مذموم، والخبيث في النبات له حالات زمن خروجه، وزمن تمامه، وزمن يبسه؛ فلو قيل: يخرج لكثر التوهم أنه إذا صار إلى حالة التمام يحسن حاله؛ فأتى بالحصر تنبيها على أنه يخرج خروجا لَا يعقبه حسن. انتهى انتهى {تفسير ابن عرفة. 2/ 227 - 229} ...