فإذا كنا قد أنزلنا اللباس يواري سوءات الحس وسوءات المادة ، كذلك أنزلنا اللباس الذي يواري سوءات القيم . فكلما أنكم تحسّون وتدركون أن اللباس المادي يداري ويواري السوءة المادية الحسية فيجب أن تعلموا أيضاً أن اللباس الذي ينزله الله من القيم إنما يواري ويستر به سواءتكم المعنوية . ولباس الحياة المادية لم يقف عند موارة السوءات فقط ، بل تعدى ذلك إلى ترف الحياة أيضاً . لذلك قال الحق: {... قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ ذلك مِنْ آيَاتِ الله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26]
والريش كساء الطير ، وقديماً كانوا يأخذون ريش الطير ليزينوا به الملابس . وكانوا يضعون الريش على التيجان ، وأخذ العوام هذه الكلمة وقالوا: فلان مريش أي لا يملك مقومات الحياة فقط ، بل عنده ترف الحياة أيضاً ، فكأن هذا القول الكريم قد جاء بمشروعية الترف شريطة أن يكون ذلك في حل . وقيل أن يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى مقومات الحياة لفتنا إلى الجمال في الحياة ، فقال سبحانه: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ...} [النحل: 8]
والركوب لتجنب المشقة ، والزينة من أجل الجَمَال .
وكذلك يقول الحق سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق ...} [الأعراف: 32]
بل سبحانه طلب زينتنا في اللقاء له في بيته فيقول: {يابني ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ...} [الأعراف: 31]
إذن فهذا أمر بالزينة ، وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ .