وقد روى جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، ولكنه غريب.
وقد وجدناه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن.
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {وَلاَ تسرفوا} الإسراف في اللغة الخطأ.
وقال أعرابي أراد قوماً: طلبتكم فَسَرِفْتكم ؛ أي أخطأت موضعكم.
وقال الشاعر:
وقال قائلهم والخيلُ تخبِطُهم ...
أسرفتم فأجبنا أننا سَرَف
والإسراف في النفقة: التبذير.
ومُسرف لقب مسلم بن عُقْبَةَ المُرِّي صاحب وقعة الحَرَّة ؛ لأنه قد أسرف فيها.
قال عليّ بن عبد الله بن العباس:
هُمُ منعوا ذِمارِي يوم جاءت ...
كتائبُ مُسْرِفٍ وبنِي اللَّكِيعهْ
والمعنى المقصود من الآية: لا تأخذوا الشيء بغير حقه ثم تضعوه في غير حقه ؛ قاله أصْبَغ بن الفرج.
ونحوه قول إياس بن معاوية: ما جاوزتَ به أمر الله فهو سَرَف وإسراف.
وقال ابن زيد: هو خطاب للوُلاة ، يقول: لا تأخذوا فوق حقكم وما لا يجب على الناس.
والمعنيان يحتملهما قوله عليه السلام:"المُعْتَدِي في الصدقة كمانِعها"وقال مجاهد: لو كان أبو قُبيس ذهباً لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مُسْرفاً ، ولو أنفق درهماً أو مُدًّا في معصية الله كان مسرفاً.
وفي هذا المعنى قيل لحاتم: لا خير في السّرف ؛ فقال: لا سَرَف في الخير.
قلت: وهذا ضعيف ؛ يردّه ما رَوى ابن عباس أن ثابت بن قَيس بن شَمّاس عَمَد إلى خمسمائة نخلة فجذّها ثم قسّمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئاً ؛ فنزلت:"وَلاَ تُسْرِفُوا"أي لا تعطوا كلّه.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: جَذّ معاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدّق حتى لم يبق منه شيء: فنزل"ولا تسرفوا".
قال السدّي:"ولا تسرفوا"أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء.
ورُوي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى:"وَلاَ تُسْرِفُوا"قال: الإسراف ما قصّرتَ عن حق الله تعالى.