قلت: ومما يدلّ على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى: {يا أيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] أتراه يكتم شيئاً أُمِر بتبليغه أو ببيانه؟ حاشاه عن ذلك وقال تعالى: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ومن كمال الدّين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئاً.
وقال جابر بن عبد الله فيما رواه الدّارَقُطْنِيّ: إن المقاثئ كانت تكون عندنا تُخرج عشرة آلاف فلا يكون فيها شيء .
وقال الزُّهْرِيّ والحسن: تُزَكى أثمان الخضر إذا بيعت وبلغ الثمن مائتي درهم ؛ وقاله الأوزاعيّ في ثمن الفواكه.
ولا حجة في قولهما لما ذكرنا.
وقد روى الترمذيّ"عن معاذ أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول فقال:"ليس فيها شيء""وقد رُوي هذا المعنى عن جابر وأنس وعليّ ومحمد بن عبد الله بن جحش وأبي موسى وعائشة.
ذكر أحاديثهم الدّارَقُطْنِيّ رحمه الله.
قال الترمذيّ: ليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء .
واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بحديث صالح بن موسى عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة"قال أبو عمر: وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا ، وإنما هو من قول إبراهيم.
قلت: وإذا سقط الاستدلال من جهة السُّنّة لضعف أسانيدها فلم يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية ، وعموم قوله عليه السلام:"فيما سقت السماء العُشْر"بما ذكرنا.
وقال أبو يوسف ومحمد: ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ما كانت له ثمرة باقية ، سوى الزعفران ونحوه مما يوزن ففيه الزكاة.