ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتَرَوْا على الله الكذب وأشركوا معه وحَلّلوا وحرّموا دَلّهُم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء ، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقاً لهم.
الرابعة: قوله تعالى: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فهذان بناءان جاءا بصيغة افعل ؛ أحدهما مباح كقوله: {فانتشروا فِي الأرض} [الجمعة: 10] والثاني واجب.
وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب ، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبيّن أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف.
الخامسة: قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} اختلف الناس في تفسير هذا الحق ما هو ؛ فقال أنس بن مالك وابن عباس وطاوس والحسن وابن زيد وابن الحنفية والضّحاك وسعيد بن المسيب: هي الزكاة المفروضة ، العُشْر ونِصْفُ العُشْر.
ورواه ابن وَهْب وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية ، وبه قال بعض أصحاب الشافعيّ.
وحكى الزجاج أن هذه الآيةَ قيل فيها أنها نزلت بالمدينة.
وقال عليّ بن الحسين وعطاء والحَكَم وحمّاد وسعيد بن جُبير ومجاهد: هو حقٌّ في المال سوى الزكاة ، أمر الله به نَدْباً.
وروي عن ابن عمر ومحمد بن الحنفية أيضاً ، ورواه أبو سعيد الخُدْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال مجاهد: إذا حَصَدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السُّنْبل ، وإذا جَذَذت فألق لهم من الشماريخ ، وإذا درسته ودسته وذَرّيْته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته.
وقول ثالث هو منسوخ بالزكاة ؛ لأن هذه السورة مكية وآية الزكاة لم تنزل إلا بالمدينة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] ، {وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة} [البقرة: 43] .
روي عن ابن عباس وابن الحنفية والحسن وعطية العَوْفي والنَّخَعِيّ وسعيد بن جبير.