وثانيها: كونه تعالى عالماً بالمعلومات ، وإليه الإشارة بقوله قبل هذه الآية: {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132] وثالثها: كونه تعالى غنياً عن الحاجات وإليه الإشارة بقوله: {وَرَبُّكَ الغنى} وإذا ثبت مجموع هذه المقدمات الثلاثة ، ثبت أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنياً عنها ، فإذا ثبت هذا امتنع كونه فاعلاً لها ، لأن المقدم على فعل القبيح إنما يقدم عليه إما لجهله بكونه قبيحاً ، وإما لاحتياجه ، فإذا كان عالماً بالكل امتنع كونه جاهلاً بقبح القبائح وإذا كان غنياً عن الكل امتنع كونه محتاجاً إلى فعل القبائح ، وذلك يدل على أنه تعالى منزه عن فعل القبائح متعال عنها ، فحينئذ يقطع بأنه لا يظلم أحداً ، فلما كلف عبيده الأفعال الشاقة وجب أن يثيبهم عليها ، ولما رتب العقاب والعذاب على فعل المعاصي ، وجب أن يكون عادلاً فيها ، فبهذا الطريق ثبت كونه تعالى عادلاً في الكل.
فإن قال قائل: هب أن بهذا الطريق انتفى الظلم عنه تعالى ، فما الفائدة في التكليف ؟
فالجواب: أن التكليف إحسان ورحمة على ما هو مقرر في"كتب الكلام"فقوله: {وَرَبُّكَ الغنى} إشارة إلى المقام الأول وقوله: {ذُو الرحمة} إشارة إلى المقام الثاني فهذا تقرير الدلائل التي استنبطها طوائف العقلاء من هذه الآية على صحة قولهم.