وزاد أهل السنة في ذلك، فقالوا: المذنب إذا لم يتب .. فهو في خطر مشيئة الله تعالى إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه بفضله وكرمه، وبالجملة فلا يخفى ما في الآية من الوعيد والتهديد للعصاة، أي سيلقون جزاء إثمهم وعاقبة كسبهم للذنوب التي أفسدت فطرتهم ودست نفوسهم بإصرارهم عليها ومعاودتها المرة بعد المرة، أما الذين يعملون السوء بجهالة، ثم يتوبون من قريب، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون .. فهؤلاء يتوب الله عليهم ويمحو تأثير الإثم في قلوبهم بما يفعلونه من الحسنات كما قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ} وبذلك تعود نفوسهم زكية، وتلقى ربها سليمة نقية من أدران السوء التي كانت قد وقعت منها لماما. واتفق المسلمون على أن التوبة تمحو الحوبة؛ أي: أن التوبة الصحيحة بالعزم الصادق والندم على ما فات تمحو آثار الذنب الماضي، فإن الله قد يعفو عن المذنب فيغفر له ما فرط منه من الذنوب، كما قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.
121 -ثم صرح سبحانه وتعالى بالنهي عن ضد ما فهم من الأمر السابق بقوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} لشدة العناية؛ لأنه من أظهر أعمال الشرك فقال: {وَلا تَأْكُلُوا} أيها المؤمنون {مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ؛ أي: مما مات حتف أنفه، ولا مما أهل لغير الله به مما ذبحه المشركون لأوثانهم {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} ؛ أي: وإن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه بغير ضرورة لفسق وخروج عما يحل، أو إن ما ذكر عليه اسم غير الله لفسق ومعصية كما جاء في الآية الأخرى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} وجوز ابن عطية أن يعود الضمير على المصدر المنفي الذي تضمنه قوله: {لَمْ يُذْكَرِ} كأنه قيل: وإن ترك الذكر لفسق؛ أي: لمعصية وكفر، وهذه الجملة لا موضع لها من الإعراب، وتضمنت معنى التعليل، فكأنه قيل: لفسقه.